فرنسا تفتتح مرحلة تعاون جديدة مع أفريقيا عبر الاستثمار

فرنسا تفتتح مرحلة تعاون جديدة مع أفريقيا عبر الاستثمار
محرر الخبر عبدالفتاح المصري
حجم الخط

التحول الفرنسي في إفريقيا، يفرض نفسه بقوة بعد القمة التي حملت اسم «إفريقيا نحو الأمام»، والتي كشفت عن توجه جديد لباريس يقوم على الاستثمار بدل الاعتماد على المساعدات التقليدية، في وقت تسعى فيه فرنسا إلى إعادة صياغة علاقتها بالقارة، خصوصًا بعد تراجع نفوذها في دول الساحل وتصاعد الاعتراضات على حضورها العسكري والسياسي.

فرنسا تعيد ترتيب أولوياتها في القارة

جاءت القمة الأخيرة لتؤكد أن باريس لم تعد تكتفي بالخطاب السياسي المعتاد تجاه إفريقيا، بل تتحرك نحو مقاربة مختلفة تجمع بين التمويل المباشر والشراكات الاقتصادية، ضمن رؤية تقول إنها تريد الانتقال من العلاقة العمودية القديمة إلى علاقة تقوم على المصالح المتبادلة، وقد أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون أن المبادرة الجديدة تمثل انتقالًا واضحًا من المساعدات إلى الاستثمار المشترك.

وتتضمن الحزمة التي جرى الكشف عنها 14 مليار يورو من التمويل الفرنسي، إلى جانب 9 مليارات يورو من الشركاء الأفارقة، مع تركيز واضح على الذكاء الاصطناعي، والزراعة، والطاقة الجديدة، وهي قطاعات تراهن عليها باريس لتثبيت حضورها في سوق إفريقية تتغير بسرعة، وتبحث عن شركاء جدد أقل ارتباطًا بالماضي الاستعماري وأكثر انفتاحًا على التنمية.

ما الذي يدفع باريس إلى هذا المسار؟

يرى محللون أن التحول الفرنسي لم يأتِ من فراغ، بل ارتبط مباشرة بتراجع النفوذ التقليدي في دول الساحل، بعد الانسحابات العسكرية والدبلوماسية المتتالية من مالي وبوركينا فاسو والنيجر، حيث واجهت فرنسا قطيعة مع الحكومات الانتقالية، وتزايدت في الوقت نفسه المشاعر المناهضة لنفوذها التاريخي في المنطقة.

وفي هذا السياق، تبدو باريس وكأنها تبحث عن إعادة تموضع أوسع، عبر تعويض خسائرها في الفضاء الفرانكفوني بالاتجاه إلى دول ناطقة بالإنجليزية والبرتغالية، لا سيما في شرق إفريقيا، حيث ترى فرصًا أكبر لتأسيس علاقات جديدة أقل حساسية وأكثر ارتباطًا بالاقتصاد والاستثمار.

رؤية ماكرون لأفريقيا

يطرح ماكرون تصورًا يقوم على ما يسميه البعض «العودة عبر الشعوب»، وهو توجه يعوض القطيعة مع بعض الحكومات العسكرية بالاقتراب من المجتمعات المحلية، وخصوصًا فئة الشباب، من خلال مشاريع تنموية في الطاقة والزراعة والتكنولوجيا، مع الاعتماد على منظمات غير حكومية وشركات خاصة لإعادة بناء الثقة تدريجيًا خارج القنوات الرسمية المعتادة.

كما تقدر فرنسا أن هذه الاستثمارات قد تسهم في خلق أكثر من 250 ألف فرصة عمل مباشرة في فرنسا وإفريقيا، وهي أرقام تستخدمها باريس لتأكيد أن نموذجها الجديد لا يستهدف النفوذ السياسي فقط، بل يركز أيضًا على الترابط الاقتصادي والاجتماعي بين الجانبين.

كيف يبرر ماكرون هذا التحول؟

في مقابلة مع مجلة «ذا أفريكا ريبورت»، قال ماكرون إنه منذ عام 2017 لم يقم أي رئيس فرنسي آخر بما فعله هو من حيث «قول الحقائق والاعتراف بها وتهدئة التوترات»، ورفض اختزال أزمات القارة في الإرث الاستعماري وحده، في إشارة إلى رغبته في تقديم مقاربة أكثر تعقيدًا وواقعية.

ويعتقد الرئيس الفرنسي أن بلاده لا تستطيع معالجة أزماتها المرتبطة بالهجرة والهوية من دون تغيير الصورة الذهنية عن إفريقيا، بحيث لا تُرى بوصفها عبئًا أو تهديدًا، بل باعتبارها فضاء للموهبة والإبداع ورأس المال والمصير المشترك، وهو طرح يكرره ماكرون منذ سنوات في أكثر من مناسبة.

كما شدد على أنه لا ينبغي أن تكون إفريقيا ساحة لنفوذ عسكري لطرف أو لآخر أو لحروب بالوكالة، معتبرًا أن ما جرى في الساحل يعكس بوضوح المخاطر التي تنتج عن هذا النوع من التدخلات.

كيف يقرأ الخبراء هذا التوجه؟

قال الأكاديمي الفرنسي وأستاذ العلاقات الدولية فرانك فارنيل إن قمة «إفريقيا نحو الأمام» تعكس تطورًا واضحًا في الاستراتيجية الفرنسية داخل القارة، لأن باريس باتت تمنح الأولوية للتعاون الاقتصادي والقوة الناعمة، بدل الأطر الأمنية والعسكرية التي سيطرت على العلاقة بين الطرفين لعقود.

وأوضح فارنيل أن الوجود الفرنسي في إفريقيا، وخاصة في الساحل، كان قائمًا تاريخيًا على حضور عسكري واسع وعمليات لمكافحة الإرهاب، لكن هذا النهج اصطدم برفض متزايد، بعدما طردت حكومات عسكرية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر القوات الفرنسية، واتجهت إلى شركاء آخرين مثل روسيا.

ويرى أن تشديد ماكرون على «الشراكات المتكافئة» يعكس إدراكًا بأن الجيل الإفريقي الشاب لم يعد يقبل بعلاقات مبنية على هياكل هرمية لها جذور استعمارية، وأن باريس مضطرة إلى تغيير أدواتها إذا أرادت الحفاظ على موقع مؤثر داخل القارة.

ما فرص فرنسا في شرق إفريقيا؟

يرى الباحث في العلوم السياسية إبراهيم جيرو أن السؤال حول قدرة فرنسا على استخدام بوابة شرق إفريقيا لبناء نفوذ جديد لا يزال مطروحًا، خصوصًا في ظل الاضطراب العميق الذي أصاب العلاقات الفرنسية-الإفريقية بعد القطيعة مع عدد من دول الساحل.

ويؤكد جيرو أن المشهد الحالي لا يعني نهاية التعاون بين باريس ودول الساحل، بل يعكس حالة سيولة سياسية لم تُحسم بعد، مع استمرار وجود احتمالات لطرح نماذج تعاون جديدة تقوم على الاستثمار والشراكات الاقتصادية بدل المساعدات والنفوذ المباشر.

وفي ما يخص التوجه نحو الشرق، فإن مشاركة فرنسا في قمة «إفريقيا نحو الأمام» تُفهم باعتبارها رسالة سياسية مفادها أن باريس ما زالت حاضرة في المشهد الإفريقي، حتى لو فقدت جزءًا مهمًا من موقعها التقليدي في الغرب والساحل.

ما أسباب التوجه نحو الدول الأنجلوفونية؟

قال الباحث المتخصص في الشؤون الإفريقية جبرين عيسى إن الانفتاح الفرنسي على إفريقيا الأنجلوفونية يعكس قناعة متزايدة لدى باريس بأن الدول الفرانكفونية لم تعد ترحب بالوجود الفرنسي، خاصة في شقه العسكري والأمني، وهو ما دفعها إلى محاولة الدخول من الأطراف بدلًا من الاعتماد على مركز نفوذها القديم.

وبحسب عيسى، فقد بدأت نيجيريا تشكل نقطة ارتكاز واضحة في هذا التحرك، إذ شهدت الأشهر الماضية توسعًا في التعاون الاقتصادي بين الجانبين، شمل اتفاقيات في القطاع المالي والضريبي خلال ديسمبر الماضي، من بينها رقمنة النظام الضريبي في نيجيريا، إلى جانب استثمارات فرنسية في السياحة، واتفاقيات في التعدين والطاقة في يناير من العام الماضي، فضلًا عن شراكات أخرى في الطاقة المتجددة مع شركات فرنسية.

ما شروط استعادة الثقة بين فرنسا وإفريقيا؟

يرى عيسى أن هذا المسار ليس وليد اللحظة، بل يمثل بداية تحول استراتيجي بدأ قبل نحو عامين من نيجيريا، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن المزاج الإفريقي العام لم يعد مستعدًا لقبول الوجود الفرنسي بالشكل القديم، ما لم تقدم باريس ما تطالب به الشعوب الإفريقية من اعتراف بالماضي الاستعماري ومقاربة تنموية مختلفة.

ويضيف أن أي عودة فرنسية مؤثرة تحتاج إلى إعادة بناء الصورة الذهنية لفرنسا في إفريقيا، لأن الحضور الدبلوماسي وحده أو المشاركة في المؤتمرات لن يكونا كافيين، في ظل الحاجة إلى شراكة حقيقية تبرهن على احترام التحولات السياسية والاجتماعية في القارة، وهو ما تحاول باريس ترسيخه عبر أدوات جديدة تعكس توجهها الحالي، كما تتابعه بوابة مصر في تغطيتها للشأن الإفريقي والدولي.

تاريخ آخر تحديث للخبر
تابع الآن أهم الأخبار عبر Google News
متابعة
عبدالفتاح المصري

عبدالفتاح المصري محرر الخبر

عبدالفتاح المصري - من أسمي باين اني مصري الجنسية، كاتب صحفي مخضرم، ما قبل جيل z خريج كلية إعلام جامعة القاهرة عام 2012، أكتب في عدة مواقع إخبارية عربية، أهتم دائماً بالشأن العربي وأخباره وآخر تطوراته.