اليمن، تظل واحدة من أكثر القضايا العربية تعقيداً في المرحلة الراهنة، لأن ما يجري فيها لا ينعكس على الداخل اليمني وحده، بل يمتد أثره إلى محيط عربي أوسع، ويصل صداه إلى مسارات الملاحة والأمن الإقليمي، لذلك تبدو أي مقاربة جادة لهذا الملف مطالبة بالنظر إليه بوصفه أزمة سياسية وإنسانية وأمنية في آن واحد.
اليمن بين الجغرافيا والسياسة
لا يمكن التعامل مع الملف اليمني باعتباره شأناً محلياً محدود التأثير، فالموقع الجغرافي لليمن يضعه في قلب توازنات عربية حساسة، كما أن تطورات الأزمة فيه ترتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بمصالح دول عربية عدة، وفي مقدمتها مصر والسعودية، لهذا فإن الحديث عن اليمن بوصفه قضية عربية لا يأتي من باب المجاملة السياسية، بل من باب قراءة واقعية لطبيعة تأثيره واتساع دائرته.
وقد مر اليمن خلال السنوات الماضية بتحولات صعبة منذ ما سُمّي بالربيع العربي، وتفاقمت أزماته مع صعود جماعة الحوثي وتوسع نفوذها، حتى وصلت الأحداث إلى لحظة اقتحام العاصمة صنعاء في 2014، ثم منع حكومة البلاد من دخولها، وهي محطة شكلت منعطفاً حاداً في مسار الدولة اليمنية وأضعفت قدرتها على استعادة توازنها الداخلي.
لماذا يُنظر إلى الحوثي بوصفه جزءاً من أزمة أكبر؟
الأزمة اليمنية لا تنفصل عن البعد الإقليمي المرتبط بجماعة الحوثي، فهذه الجماعة، كما يوضح السياق السياسي الراهن، ليست مجرد حركة محلية نشأت بمعزل عن المؤثرات الخارجية، بل هي، وفق هذا التصور، نبت إيراني تمتد جذوره إلى إيران، ولذلك فإن أي حديث عن الحل لا بد أن يمر عبر طهران، لأن قرار الجماعة، وفق هذا المنظور، يتشكل هناك، وما عدا ذلك يبقى في دائرة التفاصيل.
ومن هنا تظهر صعوبة معالجة الملف اليمني، لأن أي تسوية لا بد أن تتعامل مع مركز التأثير الحقيقي، لا مع مظاهر الأزمة فقط، كما أن معالجة الأعراض دون الاقتراب من جذور المشكلة لن تنتج استقراراً دائماً، بل قد تؤدي إلى تأجيل الانفجار لا أكثر.
ما طبيعة التسوية السياسية المطلوبة في اليمن؟
تشير الاتصالات الأخيرة بين الرئيس عبد الفتاح السيسي ورشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة اليمني، إلى الحديث عن تسوية سياسية شاملة تحقق تطلعات اليمنيين، وهذه الصيغة تبدو الأقرب إلى الحل العملي الممكن، لأنها تقوم على مبدأ إتاحة مساحة لكل جماعة سياسية يمنية في الحياة السياسية، بما في ذلك جماعة الحوثي نفسها، لكن نجاح هذه المقاربة يظل مشروطاً بوجود إرادة حقيقية لدى جميع الأطراف.
وتقوم فكرة التسوية الشاملة على أن اليمن لكل اليمنيين، لا لفئة دون أخرى، وأن أي استقرار مستقبلي يحتاج إلى توزيع سياسي متوازن، يخفف الاحتقان ويعيد بناء الثقة، غير أن هذه الصيغة لا يمكن أن تنجح تلقائياً، لأنها تحتاج عملاً متواصلاً مع إيران، وجهداً مباشراً مع الحوثي، ووعياً عربياً بأن الأزمة أكبر من حدود دولة واحدة.
عناصر الحل الممكن
- التحرك مع إيران: لأن مفتاح التعامل مع الحوثي، وفق هذا الطرح، يبدأ من طهران، لا من الأطراف الثانوية،.
- الضغط السياسي على الحوثي: بهدف دفعه إلى قبول تسوية لا تقوم على الاستقواء أو الإقصاء،.
- إدراك عربي مشترك: بأن الملف اليمني يتجاوز الحسابات الثنائية الضيقة،.
- دعم مسار سياسي شامل: يضمن لكل المكونات اليمنية حضورها في مستقبل البلاد،.
كيف تتوزع المسؤولية العربية تجاه اليمن؟
اليمن قد يكون قضية مصرية بحكم امتداد تأثير ما يحدث فيه إلى قناة السويس، وقد يكون قضية سعودية بحكم الجوار المباشر، لكنه في النهاية قضية عربية عامة، بل وقضية دولية أيضاً، وهذا التداخل في الأبعاد يفرض على العرب مسؤولية جماعية، لا تقتصر على دول بعينها، لأن ترك الأزمة دون معالجة سيبقيها مفتوحة على احتمالات أكثر تعقيداً.
ومن هذا المنطلق، فإن المقارنة التي تذكّر بما فعلته أوروبا حين أنقذت اليونان من الانهيار المالي تحمل دلالة سياسية واضحة، فكما تدخل الاتحاد الأوروبي في الوقت المناسب لإنقاذ أثينا من الإفلاس في نهاية العقد الأول من هذا القرن، فإن العرب مدعوون إلى أن يكفلوا اليمن إذا أرادوا انتشاله مما هو فيه، أو مما قد يذهب إليه لاحقاً، لأن التأخر في الفعل قد يجعل الكلفة أكبر بكثير من كلفة التدخل المبكر.
وفي ضوء هذه القراءة، يبدو أن المطلوب ليس مجرد موقف سياسي عابر، بل مقاربة عربية منسقة تعترف بأن استقرار اليمن جزء من استقرار الإقليم كله، وأن تركه لمزيد من التآكل لن يبقى أثره محصوراً داخله، ومع اتساع التحديات، تظل الحاجة قائمة إلى رؤية مسؤولة تتعامل مع اليمن باعتباره أولوية عربية، وهو ما تتابعه بوابة مصر في قراءاتها للملفات الإقليمية ذات الصلة.
