بيتا بيكتوريس b، عاد إلى واجهة الاهتمام العلمي بعد أن تمكن علماء الفلك من رصد انبعاثات راديوية متكررة صادرة من كوكب خارج المجموعة الشمسية للمرة الأولى، في اكتشاف يفتح بابا جديدا أمام دراسة الحقول المغناطيسية للكواكب البعيدة، ويمنح الباحثين أداة مختلفة لرصد العوالم التي لا يمكن الوصول إليها مباشرة.
رصد غير مسبوق من كوكب بعيد
أعلن فريق بحثي من مركز هارفارد وسميثسونيان للفيزياء الفلكية وجامعة أوريغون أنه نجح في تمييز إشارات راديوية مرتبطة بالكوكب بيتا بيكتوريس b، وهو عملاق غازي يبعد نحو 63 سنة ضوئية عن الأرض، وقد جرى ذلك باستخدام مصفوفة تلسكوب ميركات الراديوي في جنوب إفريقيا، بعد سلسلة من الرصدات التي فصلت بين ما يأتي من الكوكب وما يصدر عن نجمه الأم بيتا بيكتوريس.
ويكتسب هذا الإنجاز أهميته من أنه يقدم طريقة مباشرة لدراسة البيئة المغناطيسية حول كوكب خارج المجموعة الشمسية، بينما كانت معظم الاكتشافات السابقة تعتمد على آثار غير مباشرة، مثل تغير سطوع النجم أو حركته بفعل الجاذبية الكوكبية، أما هنا فقد أمكن تتبع الإشارة نفسها إلى موقع الكوكب.
كيف جرى تحديد المصدر؟
اعتمد الباحثون على مراقبات متكررة باستخدام ميركات، وهو نظام راديوي عالي الحساسية، وقد سمحت لهم هذه المتابعة الطويلة بتمييز رشقات قصيرة متكررة ظهرت في موضع بيتا بيكتوريس b، لا في موضع النجم المضيف، وهو ما رجح أن المصدر ليس النجم وحده كما كان يعتقد سابقا.
خطوات الرصد
1. رصد النظام مرارا باستخدام ميركات، للحصول على بيانات متكررة عبر فترات مختلفة.
2. مقارنة مواقع الإشارات الراديوية، للتمييز بين ما يرتبط بالنجم وما يرتبط بالكوكب.
3. تحليل الرشقات القصيرة، مع متابعة خصائص الاستقطاب والترددات.
4. تثبيت أن الإشارات تتوافق مع موقع بيتا بيكتوريس b، وليس مع النجم المضيف.
ما الذي كشفته الإشارات الراديوية؟
أفاد الفريق برصد رشقات متكررة سريعا ومستقطبة دائريا بقوة، إلى جانب انبعاث راديوي مستمر عبر ترددات تتراوح من 0.85 إلى 3.5 غيغاهرتز، وهي خصائص ساعدت في بناء صورة أوضح عن البيئة المحيطة بالكوكب، وعن العلاقة بين مجاله المغناطيسي والنشاط المرصود من الأرض.
ويؤكد الباحثون أن هذه الإشارات لا تعني وجود رسالة مقصودة من حضارة أخرى، بل ترتبط بما وصفوه بالنشاط الشفقي الذي يولده المجال المغناطيسي للكوكب، أي أن الجسيمات عالية الطاقة تتحرك على طول خطوط المجال المغناطيسي نحو الكوكب، وعندما تصل الإلكترونات إلى غلافه الجوي العلوي تنتج انبعاثات راديوية كثيفة.
لماذا يعد الدوران السريع مهما؟
يرى العلماء أن دوران بيتا بيكتوريس b يلعب دورا أساسيا في هذا المشهد، إذ يكمل الكوكب دورة كاملة حول نفسه في نحو ثماني إلى تسع ساعات، وهذا الدوران السريع قد يولد تيارات كهربائية قوية تسهم في إنتاج الرشقات الراديوية المتكررة التي التقطها ميركات.
- دوران سريع جدا: يكمل الكوكب دورته في نحو ثماني إلى تسع ساعات.
- نشاط شفقي قوي: يفسر الانبعاثات الراديوية المرصودة على أنها ناتجة من المجال المغناطيسي.
- إشعاع مستمر ومتكرر: ظهر عبر نطاقات تردد تمتد من 0.85 إلى 3.5 غيغاهرتز.
- مجال مغناطيسي هائل: يقدر الباحثون أنه أقوى بنحو 2500 مرة من مجال الأرض.
ما أهمية هذا الاكتشاف علميا؟
الأهمية الكبرى تكمن في أن الانبعاثات الراديوية من كواكب المجموعة الشمسية معروفة منذ وقت سابق، لكن لم يسبق أن حُددت إشارة راديوية بشكل قاطع على كوكب خارج المجموعة الشمسية بدلا من نجمه المضيف، لذلك يعتبر هذا العمل خطوة مهمة نحو قياس مباشر لخصائص لم تكن متاحة إلا عبر النماذج النظرية.
كما أن المجالات المغناطيسية تؤثر في طريقة تفاعل الأغلفة الجوية مع الجسيمات المشحونة، وقد تحمل معلومات عن العمليات الداخلية داخل الكواكب، ولهذا قال الباحثون إن قياساتهم تتفق مع التوقعات المبنية على قياس الدينامو لعملاق غازي شاب وضخم، وهو ما يعزز تفسيرهم للبيانات.
ماذا يعني ذلك لدراسة الكواكب الخارجية؟
يفتح هذا النوع من الرصد بابا جديدا أمام علماء الفلك، لأن الكواكب الخارجية غالبا ما تُكتشف عبر تأثيرها على نجومها، بينما يوفر القياس المباشر لانبعاثاتها الراديوية نوعا مختلفا من المعلومات عن بيئتها الفيزيائية، وهو ما قد يجعل الرصد الراديوي أداة مهمة في دراسة عوالم بعيدة أخرى.
وبالنسبة لبيتا بيكتوريس b، فقد ربطت الدراسة بين دورانه السريع ونشاطه الشفقي ومجاله المغناطيسي القوي والانبعاثات التي التقطتها أجهزة الرصد من الأرض، لتقدم صورة أوضح عن هذا العملاق الغازي الشاب، مع بقاء النتائج خاضعة للمراجعة العلمية والنشر النهائي، فيما تبرز هذه المتابعة العلمية أهمية ما ينشره موقع بوابة مصر من مواد تواكب المستجدات الفلكية وتقدمها بلغة مبسطة ودقيقة.
