;

محللون.. «باب المندب» يختبر حدود المصالحة السعودية

محللون.. «باب المندب» يختبر حدود المصالحة السعودية
محرر الخبر علياء الهاجري
حجم الخط

اتفاق بكين السعودي-الإيراني، يواجه اليوم واحدة من أكثر مراحله حساسية منذ توقيعه في مارس (آذار) 2023، مع تصاعد الاتهامات الموجهة إلى طهران بدعم تحركات حوثية قرب مضيق باب المندب، وما يرتبط بذلك من مخاطر على أمن السعودية وسلامة الملاحة في البحر الأحمر، وعلى قدرة التفاهمات السياسية على الصمود أمام التوترات الميدانية.

تحركات باب المندب تعيد الاختبار إلى الواجهة

تأتي التطورات الأخيرة بعد أكثر من ثلاثة أعوام على الاتفاق الذي رعته الصين في بكين، والذي أعاد العلاقات الدبلوماسية بين الرياض وطهران بعد قطيعة قاربت سبع سنوات، غير أن المشهد الحالي يضع هذا التقارب أمام امتحان عملي جديد، لأن الخلاف لم يعد متعلقاً بتبادل الرسائل السياسية فقط، بل بسلوك الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران في ساحات الإقليم.

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدرين عسكريين تابعين للحوثيين أن خبراء من «الحرس الثوري» الإيراني زاروا منطقة باب المندب، وميناء ومطار المخا، ومعسكر جبل النار شرق المدينة، كما أشرفوا على أعمال حفر أنفاق في التلال الجبلية المطلة على المخا ومضيق باب المندب، وبحثوا تركيب رادارات قرب المخا وداخل جزيرة زقر في جنوب البحر الأحمر.

هذه المعطيات دفعت محللين إلى القول إن ما يجري لا يختبر فقط التزام إيران ببنود الاتفاق، بل يختبر أيضاً صدقية الدور الصيني الذي رعى المصالحة، لأن القلق لم يعد محصوراً في استئناف العلاقات الرسمية، وإنما في مدى القدرة على كبح مصادر التهديد غير المباشر ومنع توظيف الجماعات المسلحة للضغط على دول المنطقة.

ما الذي نص عليه اتفاق بكين؟

يرى رئيس مركز الخليج للأبحاث، الدكتور عبد العزيز بن صقر، أن اتفاق بكين بُني على ثلاثة عناصر أساسية، هي استعادة العلاقات الدبلوماسية بعد سبع سنوات من القطيعة، ثم إعادة تفعيل اتفاقيات التعاون الثنائي، وأخيراً احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهو العنصر الذي وصفه بأنه الأهم والأكثر حساسية.

ويؤكد بن صقر أن أي تحرك إيراني عبر الحوثيين في محيط باب المندب يُعد اختباراً مباشراً للاتفاق، لأنه يتعارض مع نصوصه وروحه القائمة على بناء الثقة، مشيراً إلى أن التعهدات لا يجب أن تقتصر على السلوك الإيراني المباشر، بل تشمل أيضاً ممارسات الجماعات المرتبطة بـ«الحرس الثوري».

عناصر الاتفاق الرئيسة

يمكن تلخيص ما جاء في الاتفاق وفق ما عرضه بن صقر على النحو الآتي:

  • استعادة العلاقات الدبلوماسية: بعد قطيعة استمرت نحو سبع سنوات.
  • إعادة تفعيل التعاون الثنائي: عبر الاتفاقيات القائمة بين البلدين.
  • احترام السيادة وعدم التدخل: وهو البند الأشد حساسية في ضوء التطورات الإقليمية.

سياسة الوكلاء تظل العنوان الأبرز

في قراءة أخرى، يوضح المحلل السياسي السعودي الدكتور خالد الهباس أن سياسة الميليشيات تمثل أحد أهم أدوات طهران في توسيع نفوذها الإقليمي، وأن «الحرس الثوري» يتولى دعم هذه الجماعات وتدريبها وتنظيمها، بما يتيح لها أداء أدوار تخدم الأهداف الإيرانية متى احتاجت طهران إلى ذلك.

ويضع الهباس التحركات الحوثية الأخيرة، إلى جانب نشاط الفصائل الموالية لإيران في العراق، ضمن سياق الضغوط العسكرية والاقتصادية التي تواجهها طهران، ويرى أنها تسعى إلى فتح ساحات ضغط بديلة، من بينها مسار باب المندب، لما قد يترتب عليه من تهديد للملاحة وارتفاع لأسعار الطاقة وإرباك لسلاسل الإمداد.

كما يشدد على أن التعويل على تعهدات الحوثيين بعدم استهداف السفن ليس أمراً واقعياً، لأن تجارب البحر الأحمر منذ أواخر 2023 أظهرت عكس ذلك، معتبراً أن حماية الملاحة مسؤولية دولية لا تقع على عاتق السعودية وحدها، نظراً إلى أهمية هذا الممر الحيوي على المستوى العالمي.

هل ما زال الاتفاق قادراً على الصمود؟

أما أستاذ القانون والعلاقات الدولية في جامعة إسطنبول، الدكتور سمير صالحة، فيذهب إلى موقف أكثر تشدداً، إذ يرى أن مرحلة اختبار التفاهمات قد تم تجاوزها، وأن الجانب الإيراني خرج عن روح الاتفاق وبدأ اتباع سياسة إقليمية مختلفة عن الالتزامات التي أعلنها.

ويؤكد صالحة أن السؤال الجوهري لم يعد مرتبطاً فقط بمدى التزام طهران، بل بمن يسلح الحوثيين ويدربهم ويوجه عملياتهم، موضحاً أن التهديدات تبدو حوثية في ظاهرها، لكنها في جوهرها مرتبطة بإيران، وأن تحريك الأذرع في اليمن والعراق ولبنان يكشف استمرار الأولويات الإيرانية نفسها رغم استعادة العلاقات مع الرياض.

وفي تقديره، فإن السعودية لن تربط خياراتها بانتظار تحرك صيني منفرد، بل ستستمر في البحث عن بدائل استراتيجية تضمن أمنها، مع إبقاء المسار الدبلوماسي مفتوحاً، وهو ما بدأت به بالفعل خلال الأشهر الأخيرة.

هل يمكن أن تتحول الصين إلى طرف أكثر حزماً؟

يتفق المحللون على أن الصين تمتلك أدوات تأثير مهمة على إيران، بحكم وزنها الاقتصادي والسياسي والعسكري في العلاقة بين البلدين، لكنهم يرون في الوقت نفسه أن بكين مطالبة بالانتقال من دور الراعي الرمزي إلى دور أكثر وضوحاً في مراقبة تنفيذ الاتفاق.

ويشير بن صقر إلى أن بكين قادرة على التحقق من السلوكيات الإيرانية المخالفة، لكنها تميل إلى الغموض وعدم الحسم عندما لا تمس الأزمات أمنها القومي مباشرة، ولذلك تصبح الحاجة ملحة إلى آلية واضحة للتأكد من التزام طهران وكبح أذرعها.

من جهته، يرى صالحة أن الصين تواجه خياراً دقيقاً بين الحفاظ على علاقتها مع إيران، أو الدفاع عن مصالحها الأوسع مع دول الخليج وعن طرق التجارة التي تمر عبر البحر الأحمر، مضيفاً أن هذا اختبار لإيران أولاً، لكنه اختبار لبكين أيضاً في الدرجة الثانية.

أما الباحث والمستشار في الشؤون الصينية والآسيوية عبد العزيز الشعباني، فيرى أن التحرك الإيراني قرب باب المندب يختبر الاتفاق لكنه لا يعني انهياره، لأن الاتفاق صُمم أساساً لإعادة العلاقات وفتح قنوات الحوار، لا لإنهاء التنافس بين الرياض وطهران أو تحويله إلى شراكة استراتيجية.

وفي المحصلة، يبقى مستقبل التفاهم مرهوناً بقدرة الصين على إبقاء الحوار مفتوحاً واحتواء الأزمات، وبقدرة إيران على الالتزام بما وقعت عليه، مع احتفاظ السعودية بحقها في حماية أمنها ومصالحها عبر أدواتها وشراكاتها الإقليمية، وهو ما يجعل متابعة هذا الملف أولوية لدى المتابعين في بوابة مصر.

تاريخ آخر تحديث للخبر
تابع الآن أهم الأخبار عبر Google News
متابعة ‹
علياء الهاجري

علياء الهاجري محرر الخبر

علياء الهاجري - كاتبة محتوى ذات خبرة عملية في كتابة وصياغة الخبر الصحفي تتخطى السع سنوات، حصلت على بكالوريوس الإعلام - جامعة القاهرة عام 2009 ، وها أنا حالياً متابعة جيدة لأخبار الوطن العربي، ومُتحدثة لبقة، سعودية المنشأ، سعودية الطباع، سعودية ككل، إنتمائي لوطني الأخضر يفوق الحدود.