العلم يقود إلى اكتشاف موضع تكوّن أثمن ماسات العالم.. علوم

العلم يقود إلى اكتشاف موضع تكوّن أثمن ماسات العالم.. علوم
محرر الخبر سمر منصور
حجم الخط

الماس، لا تزال أسراره الجيولوجية تثير اهتمام العلماء، خصوصا حين يتعلق الأمر بأكبر وأندر الأحجار التي تتجاوز قيمتها حدود الجمال إلى كشف تاريخ عميق داخل وشاح الأرض، وقد سلطت دراسة حديثة الضوء على المسار غير المعتاد الذي يقود إلى تكوين هذه البلورات الفائقة النقاء.

ماسات استثنائية من أعماق الأرض

ركزت الدراسة الجديدة على فئة نادرة تعرف باسم كليبير، وهي من الماسات عالية الجودة التي تتميز بحجمها الكبير، ونقائها الشديد، وشكلها غير المنتظم الذي يدل على إعادة تبلور لاحقة، وقد تناول الباحثون هذه الأحجار بوصفها سجلا طبيعيا يحفظ ظروفا خاصة جدا حدثت في باطن الكوكب.

ويؤكد أندريا جولياني، الباحث في مختبر الأرض والكواكب التابع لمؤسسة كارنيغي للعلوم في واشنطن، أن هذه الماسات تجمع بين الحجم الاستثنائي والنقاء العالي في الحجر نفسه، إذ قد يتجاوز وزن الواحدة منها 100 قيراط في حالتها الخام، كما تكاد تخلو من الشوائب المعدنية والسوائل التي تظهر عادة في الماسات التقليدية.

وتشير الدراسة إلى أن هذه الفئة لا تمثل سوى أقل من 1% من إجمالي ماس الأرض، ومع ذلك تضم بعض أشهر الأحجار التي عرفت في التاريخ، ومنها ماسة كولينان التي بلغ وزنها 3106 قراريط عند اكتشافها عام 1905 في منجم بريميير، المعروف حاليا باسم منجم كولينان في جنوب أفريقيا.

أين تتكون هذه الماسات؟

تختلف بيئة تكوين الماسات التقليدية عن البيئة التي تنشأ فيها ماسات كليبير، فالأولى تتشكل عادة في الجذور الصلبة والسميكة للوشاح أسفل القارات القديمة، على أعماق تتراوح بين 150 و200 كيلومتر، بينما تتكون الثانية في منطقة الانتقال من الوشاح، على عمق يقارب 410 إلى 660 كيلومترا تحت سطح الأرض.

هذا العمق الكبير، إلى جانب الشروط الجيولوجية النادرة المطلوبة لنمو بلورة بهذا الحجم وبهذا القدر من الصفاء، يفسر قلة العثور عليها في مناجم محدودة حول العالم، كما يفسر ارتفاع قيمتها السوقية إلى مستويات استثنائية.

ويقول جيفري هاوورث، المؤلف الرئيس للدراسة من مجموعة أبحاث الكمبرلايت، إن العلماء يعرفون أن هذه الماسات تبلورت على تلك الأعماق اعتمادا على شوائب معدنية دقيقة محبوسة داخلها، ولا سيما معدن غارنت الماجوريت، وهو معدن لا يتكون إلا تحت الضغوط الهائلة السائدة في منطقة انتقال الوشاح.

كيف قرأ العلماء البصمة الكيميائية؟

اعتمد الفريق البحثي على تحليل معدن الأوليفين الموجود في صخور الكمبرلايت، وهي صخور بركانية نادرة تعد بمثابة مصاعد طبيعية تنقل الماس من أعماق الأرض إلى سطحها بسرعة كبيرة، حاملة معها أيضا معادن أخرى من الوشاح العميق.

ويشرح جيفري هاوورث أن الأوليفين هو أكثر المعادن شيوعا في الوشاح العلوي، وأن صهارات الكمبرلايت تلتقط أثناء صعودها عددا هائلا من حبيباته من الصخور المحيطة بها، ثم تكشف هذه الحبيبات، عند تحليل آلاف منها، طبيعة الوشاح على أعماق مختلفة تحت الموقع نفسه.

وأظهر التحليل أن صخور الكمبرلايت التي تحمل ماسات كليبير تحتوي على أوليفين غني بالحديد، وهو أمر غير مألوف، إذ تنتج صخور الوشاح العادية أوليفينا غنيا بالمغنيسيوم، وهذه الإشارة الكيميائية قادت الباحثين إلى مناطق غير اعتيادية في الجزء السفلي من الغلاف الصخري.

ما العلاقة بين الكربون والصفائح المندسة؟

تشير النتائج إلى أن الماسات العملاقة ترتبط بمواد جيولوجية معاد تدويرها، تعود أصولها إلى قشرة محيطية بازلتية قديمة، خضعت لتغيرات كيميائية بفعل سوائل ساخنة في قاع المحيط، ثم حملتها حركة الصفائح التكتونية إلى أعماق الأرض قبل مليارات السنين.

وعندما تلتقي صفيحتان تكتونيتان، تنزلق إحداهما أسفل الأخرى في عملية الاندساس، فتُسحب القشرة المحيطية إلى داخل الوشاح، حيث تتعرض لحرارة وضغط شديدين، وفي هذه الظروف يتحول الكربون الموجود فيها إلى ماس.

ويضيف أندريا جولياني أن الكربون يُخزن في البداية داخل الكربونات والمادة العضوية في القشرة المحيطية المتغيرة بفعل مياه البحر، وكذلك في الرواسب التي تعلوها، ثم يتحرر معظم هذا الكربون عند أعماق ضحلة نسبيا أسفل الأقواس البركانية، بينما ينجح جزء من الكربون العضوي في تجاوز هذا المرشح ويواصل رحلته إلى أعماق أكبر.

ما الذي تكشفه هذه النتائج عن باطن الأرض؟

توضح الدراسة أن ماسات كليبير تبلورت تحت ضغوط تتجاوز 11 غيغاباسكال، أي في أعماق تزيد على 300 كيلومتر داخل منطقة الانتقال في الوشاح، وهو ما منحها فرصة للنمو إلى أحجام كبيرة مع احتفاظها بدرجة عالية من النقاء.

وتشير هذه السلسلة من العمليات إلى أن هذه الأحجار ليست مجرد معادن نادرة، بل هي نتاج مباشر لإعادة تدوير المواد داخل أعماق الأرض، كما أن النتائج تعيد رسم فهم العلماء لبنية الوشاح، وتبين أن المناطق العميقة الغنية بالحديد، ذات التركيب النظائري غير المعتاد، تمثل مصدرا مهما للتباين الجيوكيميائي في الصخور البركانية حول العالم.

  • الندرة: هذه الماسات أقل من 1% من إجمالي ماس الأرض، وهذا ما يرفع قيمتها ويجعل العثور عليها محدودا للغاية.
  • النقاء: تكاد تخلو من الشوائب المعدنية والسوائل، وهو ما يمنحها صفاء استثنائيا.
  • العمق: تتشكل في منطقة الانتقال من الوشاح، على أعماق أكبر بكثير من الماس التقليدي.
  • الأهمية العلمية: تكشف عن حركة الكربون والمواد المعاد تدويرها داخل باطن الأرض.

كيف يفيد هذا الاكتشاف التنقيب عن الماس؟

ترى الدراسة أن التعرف على البصمات الكيميائية للأوليفين والغارنت يمكن أن يساعد في توجيه جهود الاستكشاف نحو صخور الكمبرلايت الأكثر احتمالا لاحتواء هذه الماسات، وهو ما قد يرفع كفاءة التنقيب ويقلل كلفته مقارنة بالاعتماد على المسح التقليدي وحده.

ويقول أندريا جولياني إن نتائج الدراسة، مع نتائج زملائهم في جامعة ألبرتا المنشورة عام 2025، تشير إلى أن ماسات كليبير ترتبط بتركيبات معدنية محددة، ما يوفر معايير عملية واضحة لفرق الاستكشاف، وقد بدأت شركات التنقيب عن الماس بالفعل في الاستفادة من هذه الإشارات.

  1. تحليل الأوليفين: لتحديد ما إذا كانت صخور الكمبرلايت تحمل بصمة غنية بالحديد.
  2. فحص الغارنت: للتأكد من المؤشرات المرتبطة ببيئات الضغط العالي في أعماق الوشاح.
  3. مقارنة المواقع: بين المناطق التي سجلت فيها ماسات كليبير وتلك التي لا تحتوي عليها.

ما الأسئلة التي ما زالت مفتوحة؟

رغم التقدم الذي حققته الدراسة، ما زالت هناك أسئلة أساسية تحتاج إلى إجابات، من بينها كيف تتشكل ماسات كليبير بالتحديد، ولماذا ترتبط بهذه الصخور الغنية بالحديد بدلا من ارتباطها بالإكلوجيت، وما الأصل الحقيقي لهذه الصخور، ومدى انتشارها مكانيا وزمنيا داخل الوشاح.

ويضيف الباحثون أنهم يعتزمون في المرحلة المقبلة دمج تحليلات نظائرية جديدة لماسات كليبير وشوائبها مع دراسات تفصيلية لصخور الوشاح الغريبة التي تحملها صخور الكمبرلايت إلى السطح، بهدف بناء نموذج كمي أوضح يفسر العلاقة بين الماس ومصدره العميق.

وبينما يواصل العلماء تتبع هذه الإشارات الجيولوجية الدقيقة، تبدو أهمية الدراسة مزدوجة، فهي تفسر جزءا من تاريخ الأرض العميق، وتمنح قطاع التنقيب أدوات أدق للبحث عن الكنوز النادرة، وهو ما يجعل هذا الملف محل اهتمام علمي واقتصادي واسع، وتتابع بوابة مصر مثل هذه الاكتشافات لما تحمله من قيمة علمية وتطبيقية كبيرة.

تاريخ آخر تحديث للخبر
تابع الآن أهم الأخبار عبر Google News
متابعة
سمر منصور

سمر منصور محرر الخبر

سمر منصور - كاتبة محتوى تقني، أعمل في كتابة المقالات عن قناعة وحب، كاتبة في موقع غاية السعودية في مجال التقنية مُتخصصة ومُتمرسة في الكتابة بقسم الاتصالات والشبكات، أحاول جاهدة وبشتى الطُرق تقديم كل ما هو مفيد من مقالات تخص شبكات الهاتف المحمول، واحرص دائما علي تقديم المعلومات الصحيحة حول تلك المقالات.