التعليم العام، ظلّ خلال العقود الماضية ساحةً واسعةً للتجريب الإداري والفكري، بينما بقيت المدرسة هي المكان الذي يتحمل آثار القرار في كل يوم، وفي ظل هذا التراكم من الخطط والمبادرات تتجدد الحاجة إلى مراجعة جادة لطريقة صناعة القرار، ومن يمنح التعليم العام وجهته الحقيقية.
القرار التعليمي بين النظرية والميدان
شهد التعليم العام في السعودية عبر أكثر من ثلاثة عقود تعاقباً لخطط واستراتيجيات ومشروعات متعددة، لكن الملاحظ أن تغيّر المسميات كان أسرع من تغيّر النتائج، ومع كل موجة تطوير جديدة كانت المدارس مطالبة بالتكيف السريع، بينما بقيت الأسئلة المتعلقة بالأثر الحقيقي على الطالب والمعلم وقائد المدرسة حاضرة بقوة.
المشكلة الأساسية لم تكن في وجود البحث العلمي أو الاستفادة من التجارب العالمية، بل في أن القرار التعليمي ظل في فترات طويلة أقرب إلى التصور النظري منه إلى الواقع اليومي للمدرسة، وهذا ما جعل الفجوة قائمة بين ما يُكتب في الوثائق وما يُمارس داخل الفصول الدراسية.
لماذا لم ينعكس التطوير على المدرسة بالقدر المأمول؟
تعاقبت الإدارات والقيادات الأكاديمية على مسارات التعليم العام، وتبدلت الأدلة التنظيمية والمنصات والمؤشرات، لكن التغيير في الميدان لم يكن دائماً بالمستوى نفسه، فكل مشروع جديد كان يبدأ بحماس واضح، ثم يطلب من المدارس تطبيقه قبل أن يترسخ تدريجياً، ما جعل التنفيذ في كثير من الأحيان أثقل من الأثر.
وفي الوقت الذي كانت فيه الوزارة والمؤسسات التعليمية تعلن مشروعات جديدة، كان المعلم في فصله، وقائد المدرسة في موقعه، والمشرف في ميدانه، يواجهون واقعاً يومياً لا يتغير بالسرعة التي تتغير بها القرارات، وهنا برزت الحاجة إلى قياس جدوى هذه التحولات على المدرسة نفسها، لا على الورق فقط.
من هم الأقرب إلى فهم التعليم العام؟
الخبرة الميدانية في التعليم ليست تفصيلاً ثانوياً، بل عنصر أساسي في فهم طبيعة المشكلات التعليمية، فالمعلم الذي أمضى سنوات طويلة داخل الفصل، وقائد المدرسة الذي يدير مئات الطلاب، والمشرف الميداني الذي يتنقل بين المدارس، يملكون معرفة عملية يصعب أن توفرها القراءة النظرية وحدها.
وفي المنظومة التعليمية آلاف الكفاءات التي جمعت بين المؤهل العلمي والخبرة الميدانية، من معلمين ومشرفين وقادة مدارس يحملون الماجستير والدكتوراه، وقد عاشوا المدرسة قبل أن يكتبوا عنها، وواجهوا تحدياتها قبل أن يدرسوها، وهذا ما يجعل حضورهم في القرار التعليمي أمراً مهماً لا يمكن تجاهله.
مظاهر القوة في الخبرة الميدانية
- فهم الواقع اليومي: لأنها تكشف تفاصيل الفصل والمدرسة والأسرة كما هي، لا كما تظهر في التقارير،.
- القدرة على التشخيص: لأنها تعتمد على خبرة مباشرة في التعامل مع التحديات المتكررة،.
- قربها من أثر القرار: لأنها ترى نتائج التغيير فور حدوثه على الطالب والمعلم،.
- الربط بين العلم والتطبيق: لأنها تجمع بين الدراسة الأكاديمية والممارسة العملية،.
ما الذي كلفه التغيير المتكرر؟
حين تتكرر المبادرات وتتغير الاتجاهات بسرعة، فإن كلفة ذلك لا تقتصر على الجهد الإداري، بل تمتد إلى الوقت والميزانيات والطاقة البشرية، كما أن المدارس هي الجهة التي تتحمل عبء التكيف المستمر، بينما يبقى الطالب والمعلم الحلقة الأكثر تأثراً بهذا الإيقاع المتسارع.
وقد أفرز هذا الواقع شعوراً متكرراً لدى كثيرين بأن التعليم العام يتحرك أحياناً من مشروع إلى آخر قبل أن يكتمل قياس الأثر، وكأن كل فريق جديد يبدأ من نقطة مختلفة، دون أن تستثمر بصورة كافية الخبرات المتراكمة في الميدان ذاته.
كيف يمكن إعادة التوازن داخل المنظومة؟
إعادة التوازن لا تعني إبعاد الأكاديميين عن التعليم العام، بل تعني توسيع دائرة المشاركة بحيث يكون صوت الميدان حاضراً في قلب القرار، لا على هامشه، فالأكاديمي يبقى له دوره المهم في تطوير البحث العلمي والجامعات، بينما يحتاج التعليم العام إلى خبرات عاشت المدرسة فعلاً.
ومن هنا تبرز أهمية أن يتقدم المعلم الخبير، والمشرف المتمرس، وقائد المدرسة الناجح، إلى مساحات أكبر في صناعة السياسات، لأنهم الأقرب إلى الواقع، والأقدر على ترجمة الأهداف إلى ممارسة قابلة للتطبيق داخل المدرسة.
خطوات تدعم حضور الميدان في القرار
- إشراك الكفاءات الميدانية: في لجان التطوير وصياغة السياسات التعليمية،.
- الاعتماد على التجربة العملية: عند تقييم المشروعات الجديدة قبل تعميمها،.
- تحقيق التدرج في التنفيذ: حتى لا تتحول المبادرات إلى عبء على المدارس،.
- مراجعة الأثر بانتظام: لضمان أن التغيير يصل فعلاً إلى الطالب والمعلم،.
ما المعيار الأهم عند اختيار القيادات التعليمية؟
الواقع يشير إلى أن الثقافة الإدارية في بعض الفترات منحت وزناً أكبر للسيرة الأكاديمية المجردة، بينما تراجع الاعتبار للخبرة التي تتكوّن داخل المدارس، وهذا خلق مفارقة واضحة، لأن من عاش الفصول الدراسية وقضاياها اليومية قد يكون أقدر على فهم التحديات من باحث لم يختبر البيئة التعليمية ميدانياً.
وليس المقصود التقليل من قيمة المؤهل العلمي، بل التأكيد على أن التعليم العام يحتاج إلى مزيج متوازن من العلم والممارسة، لأن القرار الذي يُبنى على المعرفة وحدها دون تماس مباشر مع المدرسة قد يفقد جزءاً مهماً من واقعيته.
التعليم العام إلى أين؟
المرحلة القادمة تحتاج إلى استعادة الدور الحقيقي لأهل الميدان، وإلى بناء علاقة أوضح بين السياسات التعليمية وواقع المدرسة، فالمعلم والقائد والمشرف ليسوا منفذين فقط، بل شركاء في الفهم والتطوير والتصحيح، وهم الأقدر على الإشارة إلى ما يصلح وما يحتاج إلى مراجعة.
وعندما يعود القرار التعليمي إلى بيئته الطبيعية، ويتقدم أهل المدارس إلى مواقع التأثير، ستصبح كثير من الحلول التي تأخرت واضحة وسهلة، لأن من يعرف تفاصيلها لم يكن غائباً يوماً عن المشهد، وفي هذا السياق تبرز أهمية المتابعة المهنية التي تضعها منصات مثل بوابة مصر في إطار يقرّب القارئ من جوهر القضية التعليمية ويقدمها بصورة أوضح وأكثر اتزاناً.
