تداخل هونغ-أو-ماندل، يواصل جذب انتباه الفيزيائيين بعدما انتقل من عالم الفوتونات إلى عالم الذرات، في تجربة حديثة أظهرت كيف يمكن لجسيمات متطابقة أن تتصرف بطريقة جماعية غير مألوفة، عندما تُهيأ لها ظروف كمية دقيقة جدا، ويكون التحكم في حالاتها أقرب إلى اختبار حدود الفيزياء نفسها.
تجربة أعادت المشهد الكمي إلى الذرات
في خطوة لافتة، تمكن فريق من الفيزيائيين من رصد تداخل هونغ-أو-ماندل باستخدام ما يصل إلى 12 ذرة روبيديوم متطابقة، في تجربة نُشرت في دورية Nature Physics، وقد نقلت الفكرة من نطاق التجارب الكلاسيكية التي اشتهرت فيها الفوتونات، إلى مستوى أكثر تعقيدا يرتبط بالذرات نفسها، وما إذا كانت ستسلك سلوكا شبيها بسلوك الموجات المتداخلة.
وترتكز الفكرة على مبدأ بسيط في الظاهر، لكنه عميق في معناه، فإذا دخل جسيمان متماثلان إلى جهاز يقسم المسار بين مخرجين، فإن الفيزياء اليومية تتوقع توزيعا عاديا بين الخروجين، أما في ميكانيكا الكم، فإذا كان الجسيمان متطابقين تماما ولا يمكن التمييز بينهما، فإن احتمال خروجهما من مسارين مختلفين يختفي تقريبا، لأن التداخل الكمي يعيد صياغة النتيجة بالكامل.
كيف بدأت الفكرة من الفوتونات إلى الذرات
ظهر هذا التأثير لأول مرة عام 1987 باستخدام فوتونين، والفوتونات هي جسيمات الضوء، ومنذ ذلك الوقت أصبح تأثير هونغ-أو-ماندل واحدا من أشهر الظواهر في فيزياء الكم، ومع ذلك ظل تطبيقه على الذرات تحديا أكبر، لأن الذرات أثقل وأكثر تعقيدا من الفوتونات، كما أن ضبطها ورصدها يتطلبان درجة عالية من الدقة والتحكم.
وفي التجربة الجديدة، لم يكتف الباحثون بمضاعفة العدد، بل نقلوا المفهوم نفسه إلى ذرات روبيديوم متطابقة، ووسّعوا نطاقه من جسيمين إلى عدة جسيمات تتداخل معا في الوقت نفسه، وهو ما منح النتائج أهمية خاصة، لأنها أظهرت أن الظاهرة ليست محصورة في الضوء، بل يمكن أن تظهر أيضا في أنظمة ذرية شديدة البرودة.
سر ذرات الروبيديوم
اعتمد الفريق على تبريد ذرات الروبيديوم إلى درجات قريبة جدا من الصفر المطلق، وهي حالة تصبح فيها حركة الذرات بطيئة للغاية، مما يسمح بظهور خصائصها الكمية بوضوح أكبر، وعند هذه الظروف قد تدخل الذرات في حالة تعرف باسم تكاثف بوز-أينشتاين، وهي حالة تتصرف فيها مجموعة الذرات كأنها موجة كمية واحدة كبيرة بدلا من تجمع من الجسيمات المنفصلة.
بعد ذلك استخدم الباحثون حالات مغزلية مختلفة للذرات، إلى جانب نبضات ميكروويف عملت كأنها مقسم حزمة، وهو عنصر شبيه بما يُستخدم في تجارب الضوء، ثم جاءت المرحلة الأصعب، وهي رصد عدد الذرات التي خرجت من كل مسار، لأن التحقق من نجاح الظاهرة يتطلب عدّا دقيقا يوضح كيف توزعت الذرات بين المخرجين.
خطوات الرصد في التجربة
- تبريد الذرات: خفض الباحثون درجة حرارة ذرات الروبيديوم إلى مستويات قريبة جدا من الصفر المطلق.
- تهيئة الحالة الكمية: جرى وضع الذرات في ظروف تسمح بظهور سلوكها الجماعي بوضوح، مع الاستفادة من تكاثف بوز-أينشتاين.
- استخدام نبضات الميكروويف: استُخدمت نبضات ميكروويف لتقسيم المسار بطريقة تحاكي عمل مقسم الحزمة.
- عد الذرات: أُضيئت الذرات بحزم ليزر من اتجاهات مختلفة، فتباطأت وأصدرت ضوءا مكّن العلماء من رصدها.
ما الذي كشفته النتائج؟
عند تنفيذ التجربة على أعداد وصلت إلى 12 ذرة، ظهرت أنماط واضحة تشير إلى أن التوزيع لم يكن عشوائيا كما يحدث في الأنظمة الكلاسيكية، بل بدا أن الذرات تميل إلى التجمع في مخرج واحد أكثر من انقسامها بالتساوي بين المخرجين، وهو سلوك يتفق مع ما تتنبأ به ميكانيكا الكم في حالة التداخل بين جسيمات متطابقة.
وقد أكد هذا النمط أن ما رصده الفريق لم يكن مجرد تكرار لنتائج مألوفة، بل اختبارا ناجحا لظاهرة كمية في نظام ذري متعدد الجسيمات، وهو ما يفتح الباب أمام استخدام الذرات لا بوصفها موضوعا للدراسة فقط، بل بوصفها أداة دقيقة لفهم التداخل الكمي على نطاق أوسع.
لماذا تعد هذه التجربة مهمة؟
تكتسب التجربة أهميتها من كونها لا تقتصر على إظهار ظاهرة غريبة في ميكانيكا الكم، بل تقدم أيضا أساسا عمليا لتقنيات قياس أكثر حساسية، فكلما زاد التحكم في الذرات وعددها وتشابكها، تحسن أداء الأجهزة التي تعتمد على التداخل الذري، مثل المقاييس التي تستند إلى حركة الذرات ورصد تغيراتها الدقيقة.
- الحساسية العالية: يمكن أن تساعد هذه التقنيات في قياس تغيرات دقيقة جدا في الجاذبية أو الحركة أو الزمن أو المجالات الفيزيائية.
- التطبيقات العلمية: قد تسهم في تطوير أدوات أكثر تقدما في الملاحة، والجيوديسيا، ورصد تغيرات الجاذبية.
- اختبار أسس الفيزياء: توفر فرصة أفضل لفحص المبادئ الأساسية لميكانيكا الكم على أنظمة ذرية معقدة.
ما الذي يميز هذا الإنجاز العلمي؟
يمثل هذا العمل خطوة مهمة لأنه جمع بين الدقة التجريبية والعمق النظري، وأثبت أن تأثير هونغ-أو-ماندل يمكن أن يظهر في نظام أكبر وأكثر تعقيدا مما اعتاد عليه الباحثون من قبل، كما أن انتقاله من فوتونين إلى 12 ذرة روبيديوم يعكس تطورا واضحا في القدرة على التحكم بالجسيمات الكمية ورصدها.
وتكشف هذه النتيجة أن العالم الكمي لا يزال يحمل الكثير من المفاجآت، وأن ما يبدو في الحياة اليومية سلوكا بسيطا للجسيمات، قد يتحول في المختبر إلى ظواهر جماعية دقيقة تتحدى الحدس، وتمنح الفيزيائيين أدوات جديدة لفهم الطبيعة واستثمارها، وهو ما يجعل متابعة مثل هذه الأبحاث مهمة لقرّاء بوابة مصر المهتمين بالعلوم الحديثة.
