مذنب 3I/Atlas، يواصل جذب اهتمام علماء الفلك بعد أن كشفت دراسات حديثة عن خصائص كيميائية ونظائر غير مألوفة، تؤكد أنه جسم قادم من خارج النظام الشمسي ويحمل بصمة مختلفة عن المذنبات المعروفة، وقد يكون تشكل في بيئة شديدة البرودة قبل نحو 12 مليار سنة.
مذنب بين نجمي يحمل تركيبة استثنائية
أظهرت نتائج علمية جديدة أن مذنب 3I/Atlas ليس مجرد زائر عابر، بل هو أحد أكثر الأجرام التي أثارت دهشة الباحثين في الفترة الأخيرة، إذ تكشف بياناته عن مزيج كيميائي يبتعد بوضوح عن النمط السائد في مذنبات النظام الشمسي، وهذا ما جعله موضوعاً لثلاث دراسات حديثة ركزت على تكوينه ومساره وخصائصه الفيزيائية.
ويُنظر إلى هذا المذنب على أنه فرصة نادرة لدراسة مادة جاءت من نظام نجمي آخر، لأن مروره قرب الشمس سمح للعلماء بمراقبة ما يحدث عندما يبدأ الجليد المتجمد على سطحه في التسامي، أي الانتقال من الحالة الصلبة إلى الحالة الغازية مباشرة، وهو ما ينتج عنه تكوّن هالة مضيئة وذيل واضح نتيجة تبخر المواد المتطايرة وانعكاس ضوء الشمس.
كيف حدد العلماء مكونات 3I/Atlas؟
اعتمد الباحثون على التحليل الطيفي، وهي تقنية تقوم على تفكيك الضوء الصادر عن الجسم إلى أطواله الموجية، ثم مقارنة البصمة الضوئية الناتجة بما هو معروف لدى العلماء، وبذلك أمكن تحديد العناصر والجزيئات الموجودة في المذنب بدقة عالية، رغم أنه يأتي من مسافة شاسعة خارج حدود المجموعة الشمسية.
المكونات التي رُصدت في المذنب
أظهرت القياسات وجود مجموعة من المواد المعروفة، لكن بنسب غير مألوفة، وهو ما زاد من أهمية هذا الجسم في الدراسات الفلكية الحديثة.
- الماء: رُصد ضمن المكونات الأساسية المرتبطة بالنشاط المذنبي.
- ثاني أكسيد الكربون: ظهر بكمية مرتفعة بشكل لافت مقارنة بما يُرصد عادة.
- أول أكسيد الكربون: سُجل ضمن المواد المتطايرة الموجودة في المذنب.
- الميثان: كُشف عنه في التحليل الطيفي باعتباره أحد الغازات المصاحبة.
- السيانيدات: ظهرت ضمن التركيب الكيميائي الذي تمت دراسته.
- الكبريتيدات: جرى رصدها إلى جانب مواد أخرى متطايرة.
- الحديد والنيكل الحر: ظهرت آثار منهما في التحليلات الحديثة.
ما الذي يجعل نسبه الكيميائية مختلفة؟
رغم أن العناصر نفسها ليست غريبة تماماً على المذنبات، فإن طريقة توزيعها داخل 3I/Atlas جاءت غير معتادة، خصوصاً مع الارتفاع الملحوظ في نسبة ثاني أكسيد الكربون، والانخفاض الواضح في الأمونيا، وهذه الإشارات دفعت العلماء إلى الاعتقاد بأن أصل المذنب يختلف عن أصول الأجسام التي تشكلت داخل النظام الشمسي.
كما كشفت الدراسة عن نسب نظائر غير مألوفة، ومن بينها ارتفاع ملحوظ في نسبة الديوتيريوم إلى الهيدروجين، وهي علامة مهمة تشير إلى أن الجسم تكوّن في بيئة باردة جداً، تقل فيها درجات الحرارة عن 30 كلفن، وهي ظروف نادرة في الأنظمة الكوكبية المعروفة، ما يعزز فكرة أنه جاء من مكان بعيد للغاية.
لماذا يهتم الفلكيون بمذنب 3I/Atlas؟
تنبع أهمية هذا المذنب من كونه يجمع بين الندرة العلمية والرسالة الكونية التي يحملها، فهو ليس فقط جسماً يمر في الفضاء ثم يغادره، بل سجل طبيعي يتيح للعلماء مقارنة المواد المتشكلة في أنظمة كوكبية أخرى بتلك الموجودة في نظامنا الشمسي، ومن خلاله يمكن فهم كيف تتباين البيئات الباردة عبر المجرة.
ويشير الباحثون إلى أن هذا النوع من الأجرام يساعد في توسيع المعرفة حول نشأة الأجسام الصغيرة في الكون، كما يمنح فرصة لرصد كيفية تفاعل المواد المتطايرة عند اقترابها من الشمس، وهو ما يفتح الباب أمام دراسة أعمق لتاريخ تشكل المواد الكونية القديمة.
كيف تُقرأ دلالات عمره ومصدره؟
ترجح المعطيات أن 3I/Atlas تشكل قبل نحو 12 مليار سنة في بيئة شديدة البرودة، وهو تقدير يمنحه قيمة زمنية استثنائية، لأن هذا يعني أن المادة التي يتكون منها قد تكون أقدم بكثير من معظم الأجسام المعروفة في النظام الشمسي، ولهذا ينظر إليه العلماء باعتباره نافذة على مرحلة بعيدة من تاريخ المادة في الفضاء.
ومع تأكيد مساره بين النجوم، يواصل المذنب عبوره الذي بدأ من خارج النظام الشمسي وانتهى إليه مجدداً، ليبقى مثالاً على الأجسام النادرة التي تمر عبر محيطنا الكوني ثم تترك وراءها أسئلة علمية مهمة، وتتابع بوابة مصر هذا الملف باعتباره واحداً من أبرز الاكتشافات الفلكية الحديثة.
