المجمع السكني وسط جدة، عاد إلى الواجهة بعد أن أيدت محكمة الاستئناف بجدة حكماً نهائياً يقضي بفسخ عقد بيع شقة تمليك داخل مشروع ضخم قُدرت قيمته بنحو 360 مليون ريال، وذلك بعد ثبوت عيوب إنشائية جوهرية وخفية في المبنى، مع إلزام البنك الممول برد المبالغ التي سددتها المشترية، في تطور لافت لملف شغل عدداً من الملاك والمتضررين.
تفاصيل الحكم القضائي
أكدت الوقائع أن النزاع بدأ بين مواطنة اشترت شقة داخل المجمع السكني وبين أحد البنوك الممولة، وانتهى إلى حكم بفسخ عقد البيع، بعد أن ثبت للمحكمة، وفق تقرير هندسي منتدب، وجود عيوب تمس سلامة المبنى وتمنع الانتفاع الطبيعي به، وقد ذُيل القرار بالصيغة التنفيذية، ثم صادقت عليه محكمة الاستئناف ليصبح واجب النفاذ.
وبحسب ما ورد في أوراق القضية، فإن المشترية دفعت ما يقارب 150 ألف ريال من أصل الشقة التي بلغ سعرها مليوني ريال، بعد أن بدأت مشكلة الإنشاءات تظهر لاحقاً، وهي مشكلات لم تكن واضحة عند التعاقد، ما دفعها إلى اللجوء للقضاء وطلب الفحص الفني، وصولاً إلى تقرير مؤثر حسم جانباً كبيراً من النزاع.
ما الذي كشفه التقرير الهندسي؟
أظهر التقرير الهندسي المنتدب من المحكمة وجود عيوب متعددة ومؤثرة، لم تقتصر على تشققات سطحية، بل امتدت إلى عناصر إنشائية وأعمال تنفيذية اعتُبرت ذات أثر مباشر على السلامة العامة، وهو ما دفع المحكمة إلى التعامل مع الملف باعتباره منازعة تتعلق بعيب خفي جوهري لا يمكن التغاضي عنه.
- تنميلات وشروخ: ظهرت في أسقف غرف النوم والحمامات، مع انفصال في أعمال الكرانيش الجبسية.
- ترخيم وسقوط إنشائي: رُصد في البلاطات الخرسانية للأسقف، مع هبوط في الكوابيل الخرسانية.
- أخطاء تصميمية وتنفيذية: شملت الهيكل الإنشائي وبعض جدران الحمامات، إلى جانب عيوب في اللياسة والأعتاب.
- تسربات وأحمال إضافية: ظهرت آثارها في سقف مواقف السيارات، مع أحمال لم تؤخذ في الاعتبار عند التصميم.
- خلل يستدعي التدعيم: أوصى الخبير بمعالجة عاجلة قبل استمرار استخدام المبنى.
دفاع البنك أمام المحكمة
تمسك ممثل البنك بأن المشترية عاينت العقار بنفسها أو عن طريق مختصين قبل الشراء، وأنها بذلك قبلت حالته، كما أشار إلى أن العقد تضمن بنداً صريحاً يفيد بأن الشقة عُاينت معاينة تامة، وأن الفحوصات اللازمة أُجريت قبل التعاقد، مع إبراء البنك من العيوب الظاهرة والخفية، وأضاف أن المشتري إذا لم يُبلغ عن العيب خلال مدة معقولة فإن ذلك يعني قبوله المبيع بحالته.
كما جادل البنك بأن المشترية كانت على علم بالعقار، وأنها هي التي أحضرته للبنك بغرض إعادة التمويل، مؤكداً أنه لا يعلم عن تلك العيوب، وأن القول بغير ذلك يُعد، بحسب دفوعه، تفريطاً من المشتري، وأن المفرط أولى بالخسارة، وطلب رد الدعوى بالكامل.
رد المشترية وحجتها النظامية
في المقابل، دفعت المشترية بأن العيوب خفية وليست ظاهرة، وأنها ذات طبيعة إنشائية جوهرية تعود إلى أسباب سابقة على البيع، ولا يمكن اكتشافها وقت المعاينة، كما أوضحت أنها بادرت بإبلاغ البنك فور ظهور المشكلات، إلا أنه لم يتجاوب معها ولم يعالج الوضع.
وأشارت إلى أن العقد المبرم مع البنك هو عقد إذعان لا يملك فيه العميل فرصة حقيقية لمناقشة الشروط أو تعديلها، وأن شرط الإعفاء من العيوب الخفية يعد شرطاً تعسفياً يضر بالمستهلك، وطالبت بتطبيق القاعدة الشرعية والنظامية القائلة إن الضرر يزال، مع تمكين المحكمة من تعديل الشروط المجحفة أو إعفاء الطرف المذعن منها تحقيقاً للعدالة.
كيف تعاملت المحكمة مع النزاع؟
بعد دراسة الدعوى وردود الطرفين، أخذت المحكمة بالتقرير الفني الذي أثبت وجود عيوب إنشائية خفية ومؤثرة، كما لاحظت أن البنك لم يقدم ما يفند ما انتهى إليه الخبير، واعتبرت أن شرط الإعفاء الوارد في العقد لا يمنع حماية المشتري في مثل هذه الحالة، خصوصاً عندما تكون العيوب مرتبطة بسلامة العقار نفسه وتمنع الانتفاع به بصورة طبيعية.
- إثبات العيب: اعتمدت المحكمة على التقرير الهندسي بوصفه دليلاً فنياً حاسماً.
- تقدير الأثر: رأت أن العيوب تمس سلامة المبنى وتؤثر في الغرض الأساسي من الشراء.
- النتيجة النظامية: أصدرت حكماً بفسخ عقد البيع.
- الالتزام المالي: ألزمت البنك برد جميع المبالغ التي دفعتها المشترية.
- الصفة النهائية: أيدت محكمة الاستئناف الحكم، ليصبح نهائياً وواجب النفاذ.
ماذا يقول المتضررون في المجمع؟
عدد من المتضررين تحدثوا عن معاناتهم مع الشقق التي اشتروها أو موّلوها عبر عقود طويلة، بعضها يمتد إلى 20 عاماً، مؤكدين أن هذه الالتزامات المالية لا تتناسب مع واقع العقار الحالي، وأن بعضهم اضطر إلى بيع وحدته للتخلص من الأعباء، بينما بقي آخرون عالقين بين الأقساط والمشكلات الإنشائية.
كما وصف بعض السكان المشروع بأنه يقع في موقع استراتيجي وسط جدة، وكان يُفترض أن يكون على مستوى عالٍ من الجودة، إلا أن ما ظهر لاحقاً، بحسب وصفهم، جاء على عكس التوقعات، في ظل تكرار الشكاوى من أكثر من مالك داخل المشروع ذاته.
لماذا صدر قرار الإخلاء من الأمانة؟
سبق لمتحدث أمانة جدة محمد البقمي أن أوضح أن الأمانة تلقت شكاوى من سكان المبنى بشأن ملاحظات فنية على الوحدات السكنية، وأن فرقاً مختصة عاينت الموقع ووجدت ما يتطلب أعمال معالجة إنشائية، وهو ما دفع الأمانة إلى إصدار أمر بالإخلاء حفاظاً على سلامة السكان والممتلكات.
وأضاف أن الأمانة منحت رخصة ترميم بتاريخ 17 محرم 1446هـ، إلا أن أعمال الترميم لم تُستكمل حتى تاريخه، لذلك صدر إشعار نهائي بإخلاء المبنى، مع إلزام المطور بتنفيذ المعالجة بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة، وهو ما زاد من قلق السكان بشأن مستقبل الوحدات المتضررة.
ما أبرز مطالب السكان اليوم؟
يرى عدد من الملاك أن الملف يحتاج إلى متابعة دقيقة من الجهات المختصة، مع إلزام الأطراف المسؤولة بالوضوح الكامل بشأن حال الأبراج والمباني داخل المجمع، خصوصاً مع تداول معلومات عن نية نقل بعض السكان مؤقتاً من برجين إلى برج آخر داخل المشروع، وهو ما أثار مخاوف من انتقال المشكلة بدل حلها.
- فحص برج 4: للتحقق من سلامته قبل أي استخدام مؤقت.
- مراجعة أعمال الترميم: للتأكد من تنفيذها وفق الرخصة والاشتراطات.
- إثبات الإشغال النظامي: عبر شهادة معتمدة تصدر من الأمانة.
- مطابقة المخططات: بين التصميم والتنفيذ والإفصاح عن أي تعديل.
- التأمين على العيوب الخفية: حمايةً للملاك من تكرار الضرر.
وبين دعاوى الفسخ، وتقارير الهندسة، وإجراءات الإخلاء، يبقى ملف المجمع السكني وسط جدة من أكثر الملفات التي تعكس تداخل الجوانب النظامية والفنية والتمويلية في قضية واحدة، فيما يتابع المتضررون ما ستؤول إليه بقية الإجراءات، وسط اهتمام واسع بما تنشره بوابة مصر من تطورات تتصل بهذا النزاع الذي لا يزال يفرض نفسه على المشهد العقاري.
