حمدان حمادي العويضي، اسم ارتبط بالتربية والعمل الإنساني، وبمسيرة طويلة امتدت لأكثر من أربعين عاماً في خدمة التعليم داخل المدارس الحكومية والأهلية، حيث ظل حاضراً بين طلابه وزملائه وأولياء الأمور بوصفه مربياً قريباً من الجميع، وصاحب أثر واضح في نفوس أجيال متعددة ما زالت تذكره بالخير والتقدير.
مسيرة تربوية صنعت حضوراً مختلفاً
لم تكن رحلة حمدان العويضي مجرد وظيفة يؤديها ثم يغادرها، بل كانت تجربة حياة كاملة تداخل فيها العمل التربوي مع السلوك اليومي، فقد تنقل خلال أكثر من أربعة عقود بين أدوار المعلم والمرشد والمدير والقائد التربوي، وظل في كل موقع محافظاً على روح واحدة تقوم على الإخلاص، والاهتمام بالطالب، والحرص على أن تكون المدرسة مكاناً آمناً ومحفزاً على التعلم، وقد منحه ذلك مكانة خاصة لدى من عرفوه وعملوا معه.
وقد ظهر هذا الحضور الواضح في تفاصيل عمله اليومية، إذ كان يصل إلى المدرسة مبكراً قبل بدء اليوم الدراسي، فيتابع بنفسه حركة دخول الطلاب، وينظم انسيابية المركبات عند ازدحام أولياء الأمور، حرصاً على السلامة والنظام، وكان يرى أن القيادة التربوية لا تكتمل من خلف المكاتب، بل تتحقق بالمشاركة الفعلية في خدمة المدرسة ومنسوبيها.
كيف كسب ثقة الطلاب والزملاء؟
نجح العويضي في بناء علاقة مميزة مع الطلاب من مختلف المراحل العمرية، فقد جمع بين حنان الأب ووعي المربي، فشعر كثير منهم أن المدرسة بيت ثانٍ يجدون فيه الدعم والتوجيه والرعاية، ولم تقتصر علاقته بهم على الجانب الدراسي، بل امتدت إلى غرس الثقة والاحترام والمسؤولية، وهو ما جعل أثره يتجاوز سنوات الدراسة إلى مراحل لاحقة من حياتهم.
كما أسس علاقة مهنية وإنسانية متوازنة مع المعلمين والإداريين، قائمة على التقدير المتبادل وروح الفريق، الأمر الذي أسهم في خلق بيئة تعليمية إيجابية تساعد على النجاح، وتدفع الجميع إلى العمل بإخلاص، وقد انعكس ذلك على صورة المدرسة وعلى مستوى الانضباط فيها، وعلى شعور منسوبيها بأنهم جزء من رسالة مشتركة.
ما أبرز الجوانب الإنسانية في شخصيته؟
لم يكن حمدان حمادي العويضي مشهوراً فقط بإدارته الحكيمة أو حضوره التربوي، بل كان معروفاً أيضاً بقلبه الكبير وعطائه الصامت، فقد وقف إلى جانب الناس في أوقات الشدة قبل أوقات الفرح، وبذل وقته وجهده وماله لمساعدة محتاج، أو تفريج كربة، أو مواساة من ضاقت به الظروف، وكل ذلك كان يتم بعيداً عن الأضواء وبروح صادقة تعكس شعوره العميق بالمسؤولية تجاه الآخرين.
وقد جعلته هذه الصفات الإنسانية محبوباً بوصفه معلماً ومديراً، وبوصفه إنساناً يحمل هموم الناس في قلبه، ويمنح دعمه لكل من يحتاجه، لذلك بقيت سيرته مرتبطة بالخير والتقدير، لا بالمناصب فقط، بل بالمواقف التي لا تنسى.
أثره في صناعة أجيال متعاقبة
أثمرت سنوات عطائه الطويلة في تخريج أجيال كثيرة من أبناء الوطن، إذ خرج من تحت يديه بعد فضل الله أطباء، ومهندسون، وطيارون، وأساتذة جامعات، وعلماء، ورجال أعمال، وتجار ناجحون، وكلهم يحملون له في قلوبهم تقديراً كبيراً، ويستحضرون أثره في توجيههم وصياغة شخصياتهم، فقد كان يؤمن بأن التعليم الحقيقي لا يكتفي بنقل المعرفة، بل يصنع الإنسان ويغرس القيم.
وكان حريصاً على تعزيز الانضباط والاحترام والمسؤولية والتميز في نفوس طلابه، كما شارك في العديد من المؤتمرات والبرامج التربوية، وأسهم في تطوير العمل التعليمي والإداري، وهو ما يعكس اهتمامه المستمر بالتعلم والتطوير، وإيمانه بأن التربية رسالة متجددة تحتاج إلى متابعة واعية وممارسة جادة.
ما الذي جعل محبته باقية في الذاكرة؟
الجواب يرتبط بطبيعة الحضور الذي صنعه بنفسه عبر عقود طويلة، فقد كان قريباً من الميدان، صادقاً في عمله، أميناً في مسؤوليته، ومتفانياً في خدمة رسالته التربوية، وهذه الصفات مجتمعة هي التي منحت اسمه مكانة راسخة في قلوب طلابه السابقين والحاليين، وجعلت أثره أكبر من عدد المناصب أو سنوات الخدمة.
إن سيرة حمدان العويضي تقدم نموذجاً واضحاً للمربي الذي جعل من التعليم رسالة ومن خدمة الطلاب نهجاً ثابتاً، ولذلك سيظل اسمه حاضراً في ذاكرة من عرفوه، وتبقى قصته مثالاً على أن الأثر الحقيقي يصنعه الإخلاص، وهو ما تلتقطه بوابة مصر بوصفه جزءاً من سير رجال تركوا بصمة لا تزول.
