مسبار «بيرسيفيرانس»، واصل كشفه العلمي على سطح المريخ من خلال رصد مركّبات عضوية معقّدة داخل صخور الفوهات القديمة، في خطوة جديدة تعزز الاهتمام بمنطقة «جيزيرو» باعتبارها من أكثر المواقع الواعدة لدراسة تاريخ الكوكب الأحمر وإمكانات وجود حياة ميكروبية فيه في الماضي.
رصد جديد في فوهة «جيزيرو»
أعلن فريق البحث المرتبط بوكالة «ناسا» أن مسبار الاستكشاف «بيرسيفيرانس» تمكن من العثور على جزيئات كربون عضوية معقّدة في صخور موجودة داخل فوهة «جيزيرو» على سطح المريخ، وهي منطقة تثير منذ سنوات اهتمام العلماء بسبب ارتباطها المحتمل ببيئات قديمة كانت مناسبة لظهور الحياة الميكروبية، أو على الأقل لاحتضان آثارها.
وجاء هذا الاكتشاف عبر الأداة العلمية «شيرلوك» المثبّتة على المسبار، إذ جرى تحديد ما وصفه الباحثون بـ«كربون جزيئي ضخم» داخل صخور طينية ضمن تشكيل صخري يحمل اسم «برايت أينجل»، وهو تشكيل يمتد على طول مجرى نهر قديم يعرف باسم «نيريتفا فاليس»، ما يضيف بعداً علمياً جديداً لفهم طبيعة التضاريس هناك.
ما الذي يجعل هذا الاكتشاف لافتاً؟
تتمثل أهمية النتيجة في أنها المرة الأولى التي يُرصد فيها كربون عضوي بهذا التعقيد على سطح صخري طبيعي في المريخ، من دون أن تتعرض الصخرة للحفر أو المساس بسلامتها، وهو ما يمنح العلماء فرصة لدراسة المواد العضوية في حالتها الأصلية تقريباً، ويزيد من قيمة القياسات التي نفذها المسبار خلال مهمته.
كما أن وجود هذه المركبات العضوية في صخور طينية يلفت الانتباه إلى البيئة القديمة التي تكونت فيها، لأن الصخور الطينية غالباً ما تُعد من أكثر الأنواع قدرة على حفظ آثار كيميائية دقيقة عبر الزمن، الأمر الذي يجعل منطقة الفوهة هدفاً علمياً متكرراً للمتابعة والتحليل.
الصخرتان اللتان حملتا الدليل العضوي
أوضح التقرير العلمي أن هذا الكربون الجزيئي الضخم عُثر عليه في صخرتين مختلفتين تقعان ضمن قناة النهر التي تغذي منطقة الدلتا داخل الفوهة، وهو ما يوسع نطاق الدلالة العلمية للاكتشاف، ويشير إلى أن المكونات العضوية لم تكن حالة معزولة في نقطة واحدة، بل ظهرت في أكثر من موضع داخل البيئة نفسها.
تفاصيل الصخرَتَين
- الصخرة الأولى: صخرة طينية تُعرف باسم «تشيافا فولز»، وتحمل بقعاً تشبه بقع النمر، وهي علامات سبق أن ربطها بعض الباحثين بنشاط ميكروبي محتمل، وأثارت نقاشاً علمياً واسعاً في وقت سابق.
- الصخرة الثانية: صخرة أخرى ضمن قناة النهر نفسها، جرى رصد المركبات العضوية فيها ضمن السياق الجيولوجي ذاته، ما يدعم اتساق الملاحظات العلمية المتعلقة بالمنطقة.
كيف جرى التعامل مع العينات؟
اعتمد الباحثون على المسبار في فحص الصخور مباشرة على سطح المريخ، من دون إجراء حفر أو تدمير للعينات، وهو ما يعكس تطور أدوات التحليل الموجودة على متن «بيرسيفيرانس»، وقدرتها على التقاط مؤشرات كيميائية دقيقة من مسافة قريبة، مع الحفاظ على البنية الطبيعية للصخور.
1. جرى توجيه أداة «شيرلوك» نحو الصخور الطينية المستهدفة، لرصد الإشارات الكيميائية المرتبطة بالمركبات العضوية، ضمن فحص مباشر على السطح،.
2. تمت مقارنة النتائج بين موقعين مختلفين داخل القناة النهرية القديمة، للتأكد من تكرار العلامات العضوية في أكثر من صخرة،.
3. نُشرت النتائج لاحقاً في مجلة «ساينس أدفانسيز» العلمية، لتكون متاحة للمراجعة والدراسة من قبل المجتمع العلمي،.
ما الذي يعنيه ذلك لعلماء المريخ؟
لا يعني العثور على مركبات عضوية معقّدة وجود حياة مؤكدة على المريخ، لكنه يعد مؤشراً مهماً على أن البيئة القديمة في «جيزيرو» كانت قادرة على حفظ مواد كيميائية معقدة، وربما على توفير شروط مناسبة لتفاعلات مرتبطة بالحياة في حقبة سابقة من تاريخ الكوكب.
ويتعامل الباحثون مع هذه النتائج بوصفها حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الاستكشافات التي ينفذها «بيرسيفيرانس»، خاصة أن المنطقة نفسها كانت قد جذبت الانتباه من قبل بسبب طبيعتها الجيولوجية وترسباتها التي تشبه البيئات المائية القديمة على الأرض.
ما الذي يميز منطقة «برايت أينجل» و«نيريتفا فاليس»؟
تُعد «برايت أينجل» من التشكيلات الصخرية التي تثير اهتمام الجيولوجيين بسبب امتدادها على طول مجرى «نيريتفا فاليس»، وهو نهر قديم كان يسهم في تغذية الدلتا داخل فوهة «جيزيرو»، لذلك يُنظر إلى هذا المسار باعتباره سجلاً طبيعياً يساعد في إعادة بناء تاريخ المياه على المريخ.
كما أن صخور الطين في هذه المنطقة تُعد بيئة مناسبة نسبياً لحفظ البصمات الكيميائية، ما يجعل الاكتشاف الحالي أكثر قيمة، لأنه يجمع بين الموقع الجيولوجي الدقيق ونوعية المركبات العضوية المكتشفة، في مشهد علمي مترابط يدعم فرضية وجود بيئة قديمة أكثر نشاطاً مما كان يُعتقد.
كيف يمكن فهم دلالة بقع النمر في «تشيافا فولز»؟
أثارت صخرة «تشيافا فولز» اهتماماً سابقاً بسبب البقع التي تشبه بقع النمر، وهي علامات جرى ربطها في بعض التفسيرات بنشاط ميكروبي محتمل، غير أن هذا الربط ظل محل نقاش علمي، ومع ظهور النتائج الجديدة عاد الاهتمام بهذه الصخرة باعتبارها جزءاً من السياق الأوسع الذي يضم المركبات العضوية المعقدة.
وتشير هذه المعطيات مجتمعة إلى أن فوهة «جيزيرو» لا تزال تحتفظ بأسرار كثيرة، وأن التحاليل المستمرة قد تكشف المزيد عن الظروف التي سادت على المريخ قديماً، سواء من ناحية الجيولوجيا أو من ناحية الإمكانات البيولوجية المحتملة.
ومع تواصل مهمة «بيرسيفيرانس» في جمع البيانات وتحليل الصخور، يظل هذا الاكتشاف واحداً من أبرز المحطات العلمية المرتبطة باستكشاف المريخ خلال الفترة الأخيرة، كما تؤكد متابعة بوابة مصر أن الاهتمام بهذه النتائج سيتواصل مع صدور أي تفاصيل جديدة من الجهات العلمية المختصة.
