الروبوتات الجوالة، تشهد تطويرات لافتة في مختبر الدفع النفاث التابع لناسا، حيث يعمل الباحثون على اختبار تقنيات جديدة تمنح المركبات الذكية قدرة أكبر على الحركة في البيئات الصعبة، مثل تضاريس القمر والمريخ، مع اعتماد أعلى على التوجيه الذاتي والتكيف السريع مع العقبات الطبيعية.
اختبارات ميدانية تحاكي سطح القمر
أجرت ناسا تجاربها على مركبة تجريبية تحمل اسم ERNEST في صحراء جنوب كاليفورنيا، وهي منطقة تُستخدم كثيرًا لمحاكاة الظروف القاسية على الأجرام السماوية، بسبب طبيعة الإضاءة المعقدة فيها، وامتداد الظلال، وعدم استقرار التربة، وقد اختيرت هذه البيئة لأنها تمنح الباحثين فرصة واقعية لاختبار سلوك الروبوت في ظروف قريبة من تلك التي قد يواجهها على سطح القمر.
وخلال هذه التجارب، ركز الفريق على تقييم قدرة المركبة على التقدم فوق المنحدرات الحادة، والكثبان الصخرية، والممرات غير المستوية، مع مراقبة مدى استجابتها للتغيرات المفاجئة في الأرض، وهو ما يجعل المشروع خطوة مهمة في طريق تطوير روبوتات أكثر كفاءة في الاستكشاف الفضائي.
ما الذي يميز ERNEST عن الروبوتات الحالية؟
يعتمد هذا النموذج التجريبي على مجموعة من التقنيات التي تمنحه مرونة أعلى من الروبوتات الجوالة التقليدية، وقد ظهر ذلك بوضوح في الأداء الذي حققه أثناء الاختبارات، إذ تمكن من السير لمسافة تقارب 26 كيلومترًا خلال 37 ساعة من التشغيل المتقطع، وهو رقم يتجاوز بصورة كبيرة ما تستطيع الروبوتات الحالية على المريخ، مثل بيرسيفيرانس، إنجازه في ظروف مماثلة.
وتسعى ناسا من خلال هذا العمل إلى بناء جيل جديد من الروبوتات القادرة على قطع مسافات أطول بسرعة أكبر، مع تقليل الحاجة إلى التدخل البشري المباشر، الأمر الذي قد يرفع مستوى الاستفادة العلمية من المهمات المستقبلية، ويمنح فرق البحث مجالًا أوسع لاكتشاف مناطق بعيدة وصعبة الوصول.
كيف تعمل أنظمة الحركة الذكية؟
تستند قدرات ERNEST إلى منظومة هندسية متقدمة تجمع بين التعليق النشط وآليات القيادة المرنة، وتسمح هذه المنظومة بتوزيع الوزن على العجلات بطريقة ذكية تساعد المركبة على الثبات أثناء الحركة، حتى عندما تكون الأرض غير مستقرة أو مائلة، كما تتيح لها تغيير أسلوب الحركة بحسب طبيعة العائق.
ومن أبرز ما توفره هذه التقنيات إمكانية التحرك بعدة أنماط، مثل التسلق، أو تجاوز العوائق، أو الحركة الجانبية عند الحاجة، وهذا التنوع في أسلوب القيادة يمنح الروبوت فرصة أفضل للتعامل مع البيئات المعقدة، بدلًا من التوقف عند أول تحدٍ ميداني.
الدور المتزايد للذكاء الاصطناعي في الاستكشاف الفضائي
أحد أهم محاور المشروع يتمثل في استخدام الذكاء الاصطناعي والتعلم المعزز، إذ يتم تدريب الروبوت أولًا داخل بيئات محاكاة رقمية عالية الدقة، قبل اختباره على الأرض، ويساعد هذا النهج على تعليمه كيفية الاستجابة للتضاريس الصعبة، واتخاذ قرارات ذاتية أثناء الحركة، من دون الحاجة إلى تدخل مباشر في كل خطوة.
وتمنح هذه العملية المركبة قدرة أفضل على التعرف إلى المخاطر المحتملة، والتعامل مع المسارات غير المتوقعة، واختيار الطريقة الأنسب لمتابعة السير، وهو ما يمثل نقلة مهمة في مفهوم الروبوتات الجوالة، من أدوات تعتمد على التوجيه إلى أنظمة أكثر استقلالية في العمل.
ما النتائج التي حققتها التجارب الميدانية؟
أظهرت الاختبارات أن الروبوت قادر على اجتياز مسارات شديدة التعقيد، تضم الرمال والصخور والمنحدرات، كما نجح في عبور مناطق كانت ستؤدي عادة إلى توقف الروبوتات التقليدية، وهذه النتيجة تؤكد أن الجمع بين التصميم الميكانيكي المرن والبرمجيات الذكية يمكن أن يصنع فارقًا واضحًا في الأداء.
كما تعكس هذه النتائج حجم التقدم الذي تسعى إليه ناسا في مجال التنقل الذاتي، خاصة مع الحاجة المتزايدة إلى روبوتات تستطيع العمل لمسافات بعيدة، وتنفيذ مهام طويلة المدى، والتعامل مع الظروف غير المتوقعة بكفاءة أعلى من النماذج الحالية.
كيف تستفيد بعثات القمر والمريخ من هذه التقنيات؟
تهدف هذه التطويرات إلى تجهيز أدوات قابلة للاستخدام في مهمات مستقبلية إلى القمر والمريخ، لا سيما في المناطق التي يصعب الوصول إليها حاليًا، إذ يمكن للروبوتات الأكثر استقلالية أن تنفذ جزءًا كبيرًا من الاستكشاف العلمي، وتوفر بيانات أدق عن طبيعة الأرض والبيئة المحيطة.
ويعتقد الباحثون أن هذه القدرات قد تسمح مستقبلًا بتنفيذ رحلات علمية أطول على سطح القمر أو المريخ، مع تقليل الاعتماد على الأوامر المباشرة من الأرض، وزيادة سرعة اتخاذ القرار داخل المركبة نفسها، وهو ما يفتح مسارًا جديدًا أمام الاستكشاف الفضائي الأكثر تقدمًا، بحسب ما تتابعه بوابة مصر ضمن أحدث مستجدات هذا المجال.
