العيوب الإنشائية، أعادت قضية أحد المشاريع السكنية في جدة ملف سلامة المباني وحقوق الملّاك إلى الواجهة، بعد صدور قرار بإخلاء الوحدات خلال مهلة تنتهي اليوم، وسط استمرار الأقساط العقارية على السكان وتنامي المطالبات بفسخ العقود وتعويض المتضررين عن خسائر مالية ونفسية وصحية ترتبت على اكتشاف خلل في المباني.
مشروع فاخر يتحول إلى أزمة ممتدة
تحوّل حلم امتلاك شقق فاخرة في مشروع سكني بجدة إلى ملف معقد يجمع بين الضرر الإنشائي والنزاع القانوني والعبء المالي، بعدما تبيّن لعدد من الملّاك وجود عيوب جسيمة في الأساسات والأعمدة والعوازل والتسربات، إلى جانب مشكلات في التكييف والمصاعد والسباكة والكهرباء، ما جعل المباني غير صالحة للسكن وفق ما أفاد به المتضررون والوثائق المتداولة في القضية.
ويؤكد المالكون أنهم اشتروا الوحدات عبر برامج تمويل بنكي ودعم سكني، وأكملوا الإجراءات النظامية والمالية دون علم بالعيوب الجوهرية، ثم فوجئوا لاحقاً بالإخلاء والملاحقات القضائية، بينما استمرت التزاماتهم الشهرية تجاه البنوك، وهو ما ضاعف من حجم الأزمة الإنسانية التي يصفونها بأنها استنزفت مدخراتهم وحياتهم الأسرية.
تفاصيل القرار وأثره على السكان
بحسب ما رصدته «عكاظ» ميدانياً، وضعت أمانة جدة ملصقات على البرج السكني تتضمن إشعاراً للسكان بإخلاء العقار، وقد حرر الإشعار في 4/6/2026، ومنح السكان مهلة 20 يوماً للتنفيذ تنتهي اليوم الثلاثاء، وذلك بعد تقارير هندسية وتقويمات رسمية أشارت إلى وجود ما يهدد سلامة المبنى ويستدعي التدخل العاجل.
ويتمسك السكان بأن الإخلاء لا يعفي الجهات ذات العلاقة من مسؤولياتها، إذ يطالبون بتعليق الأقساط مؤقتاً، وتوفير سكن بديل أثناء الإخلاء، وإلزام الأطراف المتسببة بفسخ العقود ورد المبالغ والتعويض عن الأضرار، خصوصاً أن العقار لم يعد قابلاً للانتفاع بحسب ما ورد في الشكاوى المرفوعة إلى الجهات المختصة.
أحكام قضائية وتقارير هندسية
أظهرت المستندات المشار إليها في القضية أن المشروع شهد منذ سنوات ظهور عيوب إنشائية استدعت أعمال إصلاح وتدعيم للأساسات والأعمدة، كما أثبتت تقارير هندسية وجود مسؤولية على الشركة المطورة، وهو ما انتهت إليه المحكمة التجارية في جدة بحكم ألزم الشركة بدفع نحو 23 مليون ريال مقابل تكاليف الإصلاح والتعويضات المرتبطة بالأضرار، إضافة إلى نحو 150 ألف ريال أتعاباً للخبير الهندسي، وقد اكتسب الحكم القطعية.
كما تضمنت المراسلات الرسمية والتقارير الفنية إشارات واضحة إلى خلل في التصميم والتنفيذ والهيكل الإنشائي، مع تأكيد وجود تسربات وغياب عوازل ومشكلات متكررة في الخدمات الأساسية، الأمر الذي أثّر على سلامة المباني وقيمتها السوقية، وفتح الباب أمام سلسلة من الدعاوى والاعتراضات القانونية من الملّاك.
كيف بدأت شكاوى الملّاك؟
تقول إفادات عدد من المتضررين إنهم لم يكتشفوا حجم المشكلة إلا بعد مرور نحو عام على الشراء، حين وصلت إليهم إشعارات تتحدث عن تشققات وتسربات ومخالفات إنشائية، ثم بدأت إجراءات قانونية ضد المطور، وتوالت بعدها الشكاوى إلى البنك المركزي السعودي ووزارة البلديات والإسكان والهيئة العامة للعقار، مع مطالبات متكررة بوقف الاستقطاع الشهري لحين حسم النزاع.
وتشير الشكاوى أيضاً إلى أن بعض الملّاك طالبوا بإيقاف التصرفات العقارية في المشروع، والتحقيق في مدى الإفصاح عن العيوب قبل البيع والتمويل، فضلاً عن المطالبة بمحاسبة المتسببين والتعويض عن الأضرار التي لحقت بهم، سواء كانت مالية أو نفسية أو صحية.
قصص المتضررين بين المرض والالتزامات المالية
تعددت قصص المتضررين داخل هذا المشروع، فـ«شذى» التي اشترت شقتها عبر برنامج تمويل عقاري وجدت نفسها تتابع الاستقطاع الشهري من راتبها مقابل عقار غير صالح للسكن، بينما دخلت «جمانة» المعالجة النفسية في دوامة من المراجعات بين البلديات والبنك والمطور والمحاكم واللجان المختصة لفسخ عقد المرابحة.
كما يروي متضررون آخرون أن موظفاً متقاعداً أصيب بجلطة بعد أن استثمر تحويشة العمر في شراء شقة، ثم صدم بوجود عيوب إنشائية استوجبت الإخلاء، في حين قالت المعلمة «أم ملك»، وهي زراعة كلى، إنها كانت تبحث عن منزل تستقر فيه مع ابنتها بعد أن ربطت راتبها والتزاماتها بهذا الهدف، لكنها فوجئت بالأزمة وتطالب اليوم بتعويض عن الضرر.
أما «أم تالا» فتشير دعواها إلى أنها دفعت نحو مليون و200 ألف ريال ثم اكتشفت عيوباً خفية ومشكلات إنشائية دفعتها إلى المطالبة بفسخ العقد واسترداد ما دفعته، مستندة إلى تقارير فنية وأحكام سابقة، بينما تمسك البنك بشرط الإعفاء من العيوب الوارد في العقد وطلب رفض الدعوى.
ما موقع الملف قضائياً؟
تطوّر النزاع إلى مسار قضائي متعدد الجهات، إذ انتهت محكمة الاستئناف إلى أن الجهة المختصة بنظر الدعوى هي لجنة الفصل في المخالفات والمنازعات التمويلية، لا المحكمة العامة، ثم صدر لاحقاً حكم مماثل من لجنة الفصل نفسها بعدم اختصاصها، ليتحوّل الملف إلى لجنة تنازع الاختصاص للفصل في الجهة المختصة بنظر القضية.
ويؤكد قانونيون أن المجلس الأعلى للقضاء يتولى حسم تنازع الاختصاص عبر لجنة مختصة، كما يشيرون إلى أن الضرر متى ثبت أمام القضاء وجب التعويض عنه وفق نظام المعاملات المدنية، وهو ما يمنح المتضررين مساراً قانونياً إضافياً إلى جانب مطالباتهم المالية والإدارية.
ماذا ورد في تقرير الصندوق المختص بالتطوير السكني؟
وفق تقرير صدر عن الصندوق المختص بالتطوير السكني بشأن التغييرات والتطورات الجوهرية، فإن هناك تأخيراً في عملية الإفراغ بسبب طلب المشتري الحصول على شهادة إتمام البناء للمجمع السكني، وهي شهادة تحتاج إلى بعض الإجراءات الحكومية لاستخراجها، إلى جانب متطلبات أخرى مرتبطة بضريبة التصرفات العقارية نظراً لتعدد الصكوك المفرزة لكل وحدة سكنية.
وأشار التقرير إلى أن مدير الصندوق يبذل العناية في الرد على القضايا المقامة من مالكي الوحدات بالتعاون مع المحامين، وأن بعض المدعين حصلوا على أحكام بإعادة الثمن وإلغاء عقد الشراء، بينما رُفضت دعاوى آخرين، ما يعكس تفاوتاً في الأحكام وفق طبيعة كل ملف ومستنداته.
هل تنتهي الأزمة عند الإخلاء?
لا تبدو الأزمة مرشحة للانتهاء بمجرد إخلاء المبنى، فالمتضررون يربطون بين سلامة السكن وحقوقهم المالية، ويصرون على أن استمرار الأقساط مع تعذر السكن يمثل عبئاً غير عادل، خصوصاً بعد ثبوت العيوب الإنشائية في أكثر من تقرير وحكم، وتأكيد مسؤولية المطور عن الإصلاحات.
وفي آخر ما اطلع عليه المتضررون، تواصل الشكاوى الموجهة إلى البنك المركزي ووزارة البلديات والإسكان والهيئة العامة للعقار المطالبة بتوفير سكن بديل، وتعليق التمويل، وفسخ العقود، والتعويض عن الضرر، بينما يظل السكان بانتظار ما ستسفر عنه الإجراءات النظامية، وتبقى بوابة مصر تتابع تطورات هذه القضية بوصفها من أبرز ملفات الإسكان المتداولة حالياً.
