شكاوى متزايدة بشأن “تعنيف وتجاوز” على أسرّة الولادة في مصر

شكاوى متزايدة بشأن “تعنيف وتجاوز” على أسرّة الولادة في مصر
محرر الخبر عبدالفتاح المصري
حجم الخط

العنف التوليدي، لم يعد مجرد روايات متفرقة تتناقلها النساء في صمت، بل تحول إلى ملف عام يثير جدلاً واسعاً في مصر بعد شهادات عن سوء معاملة داخل غرف الولادة، وما رافقها من مطالبات بالتحقيق والمساءلة، وسط حديث متجدد عن حقوق المريضات داخل المؤسسات الطبية.

شهادات أعادت الملف إلى الواجهة

في الأيام الأخيرة، انتشرت روايات مكتوبة ومصورة لسيدات وأطباء تحدثوا عن ممارسات مؤذية بحق النساء أثناء الحمل والولادة، داخل مستشفيات خاصة وعامة في مصر، لا سيما في أقسام النساء والتوليد، وشملت الاتهامات الإجهاض القسري، والولادة من دون تخدير، والعنف اللفظي والجسدي، مع تأكيد جهات عدة ضرورة جمع الوقائع رسمياً للتحقيق فيها.

وتزامن ذلك مع قصة ندى، وهي سيدة مصرية اختارت مركزاً خاصاً لتلد طفلتها الثانية أملاً في تجربة آمنة، لكنها تقول إن ما حدث معها كان صادماً، إذ أُجبرت على طلق صناعي رغم أن المخاض كان يسير بشكل طبيعي، ثم واجهت آلاماً شديدة من دون مسكنات، وتقول إنها تعرضت للصفع والإهانة، وهي رواية لم تتمكن بي بي سي من التحقق منها بشكل مستقل.

ما المقصود بالعنف التوليدي؟

العنف التوليدي هو إساءة معاملة المرأة أو انتهاك جسدها وكرامتها أثناء الحمل أو الولادة أو ما بعدها، ويشمل هذا العنف الألفاظ المهينة، واللمس أو الاعتداء الجسدي، والإجراءات الطبية التي تُجرى من دون موافقة مستنيرة أو من دون ضرورة طبية، إضافة إلى الإهمال وتجاهل احتياجات المرأة، وفق المفهوم الذي تتبناه منظمة الصحة العالمية بشأن سوء المعاملة وعدم الاحترام أثناء الولادة.

  • العنف اللفظي: التوبيخ، والسخرية، والسب، واستخدام عبارات مهينة بحق المريضة.
  • العنف الجسدي: الضرب، أو الإيذاء، أو التعامل الخشن خلال المخاض والولادة.
  • التدخلات غير المبررة: إجراء فحوصات أو تدخلات طبية دون موافقة أو دون حاجة طبية واضحة.
  • الإهمال: تجاهل الألم، أو عدم توفير الخصوصية، أو ترك المريضة من دون رعاية كافية.

شهادات طبيبات عن ممارسات داخل المستشفيات

تحدثت بي بي سي إلى طبيبتين، تحملان الاسمين المستعارين سالي ورضوى، وهما من خريجات التدريب في مستشفيين جامعيين بالقاهرة قبل أكثر من عشرة أعوام، وقالتا إنهما شاهدتا ممارسات اعتبرتاها تجاوزات بحق مريضات، تضمنت شتائم وضرباً على الأرجل لإسكات الصراخ، إضافة إلى استخدام أداة طبية بطريقة عقابية، بحسب روايتهما.

وتقول رضوى، وهي طبيبة نساء وتوليد حالياً، إن بعض الحالات كانت تُجرى فيها خياطة الجروح أو الفحوصات من دون تخدير كافٍ بسبب نقص أدوية التخدير، وهو ما كان يسبب آلاماً شديدة للمريضات، بينما أشارت سالي إلى أن بعض الأطباء المتدربين كانوا يتركون لإتمام الخياطة من دون إشراف مباشر، كما لفتت إلى غياب الخصوصية داخل غرف الولادة في كثير من الأحيان.

كيف تفاعلت جامعة الإسكندرية والنيابة مع القضية؟

جاءت الضجة بعد تدوينة نشرتها الطبيبة السابقة أمنية سويدان، تحدثت فيها عن وقائع قالت إنها شهدتها خلال فترة تدريبها في قسم النساء والتوليد بمستشفى الشاطبي الجامعي في الإسكندرية قبل ست سنوات، وتضمنت مزاعم عن انتهاكات جنسية وبدنية بحق مريضات، ثم حُذفت التدوينة واختفى حسابها بعد القبض عليها، على خلفية بلاغ يتهمها بنشر أخبار كاذبة، بحسب محاميها.

وبعد ساعات من التحقيق، أُخلي سبيل سويدان بكفالة بلغت 20 ألف جنيه مصري، فيما أعلنت جامعة الإسكندرية فتح تحقيق في الوقائع المزعومة، وقالت نقابة الأطباء إنها لم تتلقَّ شكاوى رسمية، داعية من يملك أدلة أو معلومات إلى تقديم شكوى موثقة، وفي المقابل حذرت من تعميم الاتهامات على أفراد المنظومة الطبية.

وبحسب ما ورد في بيان النيابة العامة السبت، أقرت سويدان بأنها رأت بعض الإجراءات الطبية خلال فترة تدريبها القصيرة، وأن قلة خبرتها دفعتها إلى الاعتقاد بأنها إجراءات خارجة عن المألوف، كما أوضح البيان أن بعض ما دوّنته لم تشاهده بنفسها، بل نُقل إليها عن آخرين لا تعرفهم تحديداً.

لماذا تتكرر الشكاوى في المستشفيات المجانية؟

ترى انتصار السعيد، رئيسة مجلس أمناء مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون، أن المؤسسة وثقت خلال السنوات الماضية وقائع عديدة للعنف التوليدي، لكنها تؤكد أن غياب الوعي وصعوبة إثبات الانتهاكات يجعلان الأرقام الحقيقية غير متاحة، مضيفة أن كثيراً من النساء يفضلن الصمت خوفاً من الوصم الاجتماعي.

  • الضغط المرتفع: أعداد كبيرة من الحالات اليومية مقارنة بعدد محدود من الأطباء.
  • ضعف الخصوصية: غياب الستائر أو سهولة فتحها أثناء الإجراءات.
  • التوبيخ والإهانة: استخدام ألفاظ غير لائقة أو السخرية من الألم.
  • عدم التخدير الكافي: تنفيذ بعض الإجراءات من دون مسكنات أو تخدير مناسب.

وتشير السعيد إلى أن الشكاوى التي تصلهم تختلف بحسب نوع المستشفى، لكنها تقول إن العديد منها يأتي من المستشفيات المجانية أو شبه المجانية، سواء الجامعية أو الحكومية، وتدور حول غياب الخصوصية والولادة دون تخدير والتعامل المهين، كما ترى أن الولادة القيصرية من دون داعٍ طبي من أكثر الممارسات الشائعة في القطاع الخاص، وهو ما تضعه منظمة الصحة العالمية ضمن سوء المعاملة أثناء الولادة.

ما موقف الأطباء من هذه الاتهامات؟

نقيب الأطباء المصريين، الدكتور أسامة عبد الحي، لا ينكر وجود العنف التوليدي في البلاد، لكنه يرفض تعميمه، ويقول إن ما جرى تداوله في بعض الشهادات لا يمثل الصورة الكاملة، مؤكداً أن غالبية الأطباء يتعاملون باحترام مع المريضات، وأن النقابة تتابع التحقيقات في مستشفى الشاطبي، كما خصصت رقماً لتلقي الشكاوى.

وأضاف أن النقابة ستتعامل بجدية مع أي بلاغ موثق، كما أعلن عن ورشة قريبة بالتعاون مع أساتذة واستشاريي النساء والتوليد لمناقشة طرق الحد من العنف التوليدي، مع التشديد على أن تحسين الأجور وظروف العمل وتوفير المسكنات والتجهيزات من العوامل الأساسية لتخفيف الضغط داخل أقسام الولادة.

عنف طبي يتجاوز قسم الولادة

تقول النائبة في مجلس الشيوخ أميرة صابر إن العنف الطبي ضد النساء في مصر لا يقتصر على الولادة، بل يمتد إلى تخصصات مختلفة، ويبدأ من تجاهل الشكوى ثم يتدرج إلى انتهاكات أشد، ولذلك فهي تدعو إلى تعاون تشريعي ونقابي وسياسي لوضع قواعد أوضح للمساءلة.

وترى صابر أن المشكلة ترتبط أيضاً بثقافة مجتمعية تتسامح مع العنف ضد النساء، وبغياب مهن مساندة مثل القبالة، بينما تؤكد انتصار السعيد ضرورة إصدار مدونة سلوك واضحة، وتدريب الطواقم الطبية، وإنشاء آلية جادة للإبلاغ، وتفعيل القانون بحق أي تجاوز، حتى لا تبقى الناجيات وحيدات أمام الصدمة.

وفي ظل هذه النقاشات، تبقى قصة ندى وغيرها من الشهادات المؤلمة حاضرة بقوة في المجال العام، لتعيد طرح سؤال الحق في ولادة آمنة تحترم الجسد والكرامة، وهو سؤال يتجاوز القاعات الطبية إلى المجتمع كله، ويحتاج إلى معالجة مؤسسية واضحة، كما يحتاج إلى متابعة مهنية ومسؤولة من المنصات الصحفية مثل بوابة مصر.

تاريخ آخر تحديث للخبر
تابع الآن أهم الأخبار عبر Google News
متابعة
عبدالفتاح المصري

عبدالفتاح المصري محرر الخبر

عبدالفتاح المصري - من أسمي باين اني مصري الجنسية، كاتب صحفي مخضرم، ما قبل جيل z خريج كلية إعلام جامعة القاهرة عام 2012، أكتب في عدة مواقع إخبارية عربية، أهتم دائماً بالشأن العربي وأخباره وآخر تطوراته.