الحملة الرقمية ضد المسلمين في اليابان، عادت إلى الواجهة بعد أسابيع من الجدل الذي رافق مشروع بناء مسجد في مدينة فوجيساوا بمحافظة كاناغاوا، لكن هذه المرة عبر محتوى أوسع وأكثر تشعبا، جمع بين صور ومقاطع وادعاءات مفبركة أو مجتزأة، في محاولة لتقديم المسلمين بوصفهم خطرا ثقافيا واجتماعيا.
من احتجاج محلي إلى حملة أوسع
لم تكن الشرارة الأولى لهذه الموجة الجديدة منفصلة عن المشهد المحلي في فوجيساوا، إذ وفرت الاحتجاجات الرافضة لمشروع المسجد أرضية مناسبة لإعادة تدوير خطاب قديم ضد المسلمين، ثم جرى توسيع نطاقه بسرعة عبر منصات رقمية مختلفة، بحيث لم يعد النقاش يقتصر على البناء أو التراخيص أو الاعتراضات المحلية، بل امتد إلى سردية أوسع عن الهوية والوجود الإسلامي في اليابان.
وتشير مراجعة المواد المتداولة إلى أن كثيرا من المحتوى الذي جرى تداوله أعاد إنتاج الخوف بصياغات مختلفة، فمرة عبر الصلاة في الأماكن العامة، ومرة عبر صورة مزعومة داخل متجر للأنمي، ومرة عبر مقاطع من خارج اليابان، وكلها قُدمت على أنها شواهد على تهديد متصاعد، رغم غياب الأدلة الرسمية أو القانونية التي تثبت ذلك.
كيف اشتعلت السردية الرقمية؟
اعتمدت الحملة على نمط واضح في صناعة التأثير، يقوم على جمع مشاهد متفرقة ووضعها في إطار واحد، ثم ربطها بتعليقات حادة تتحدث عن “الغزو” أو “تغيير وجه المدن” أو “فرض الحضور”، وهو ما جعل القصة تبدو أكبر من الحدث نفسه، وأكثر قدرة على الانتشار بين الحسابات التي تبحث عن مادة صدامية جاهزة.
وفي هذا السياق، لم تعد الواقعة الواحدة هي محور الجدل، بل أصبح التكرار المتعمد لصورة المسلم في أماكن عامة أو عبادية أداة لإيصال رسالة سياسية، حتى عندما لا تتضمن المادة المتداولة أي مخالفة محددة أو خطر أمني موثق.
الصلاة في الأماكن العامة
شكّلت الصلاة في الأماكن العامة أحد أبرز محاور التحريض، إذ تداولت حسابات صورا ومقاطع لمسلمين يؤدون الصلاة في فضاءات مفتوحة، ثم ألحقت بها عبارات تربط ذلك بتهديد النظام العام أو تغيير الطابع الياباني، مع تصوير المشهد بوصفه فعلا مقصودا لإثبات القوة أو تطبيع الوجود الإسلامي.
غير أن مراجعة المواد المتداولة لا تكشف عن أي دليل على تهديد أمني أو مخالفة قانونية محددة، كما أن هذه الصلاة لم تكن سابقة جديدة، لأن المسلمين يقيمون صلاة عيد الفطر في المكان نفسه من قبل دون أن يترتب على ذلك ما تدعيه المنشورات من مخاطر أو فرض مساحات خاصة.
وبذلك، تحولت ممارسة دينية عادية إلى مادة اتهام، بعد أن نُزعت من سياقها ثم أُلحقت بتعليق تحريضي، قبل أن تُدفع إلى جمهور يتعامل مع الصورة باعتبارها دليلا على خطر أكبر.
صورة متجر الأنمي المفبركة
من أكثر المواد التي غذت الجدل صورة زُعم أنها تُظهر مسلمين يصلون داخل متجر للأنمي في اليابان، وقد انتشرت مع تعليقات غاضبة عن دخول المسلمين إلى المتاجر و”فرض الصلاة” في فضاءات تجارية يابانية، ما منح الحملة زخما إضافيا بسبب التناقض الرمزي بين المكان والمشهد.
لكن التحقق من الصورة كشف أنها مولدة بالذكاء الاصطناعي، كما تداوَل مستخدمون منشورات أشاروا فيها إلى أنهم تواصلوا مع صاحب المتجر الظاهر في الصورة، وأنه نفى تماما وقوع أي صلاة داخل محله، وهو ما يوضح كيف يمكن لمحتوى مفبرك أن يصنع موجة غضب واسعة قبل أن تظهر الحقيقة.
حريق هولندا والربط المضلل
انتقل جزء من الحملة خارج اليابان، حين أعادت حسابات تداول مقطع لحريق كنيسة في هولندا، مع ادعاء أن مهاجرا مسلما يقف وراءه، ثم استُخدم المقطع لاحقا لتخويف الجمهور الياباني من تكرار المشهد إذا لم تُواجه الهجرة الإسلامية.
لكن السياق الحقيقي يختلف عن هذا الطرح، فالحريق وقع مطلع العام الجاري خلال احتفالات رأس السنة، ولم تكن أسبابه معروفة حينها، كما لم تظهر أدلة موثقة تثبت أن الفاعل مهاجر مسلم أو أن الحادث ارتبط بدافع ديني، ما يجعل استخدامه في الحملة الجديدة مثالاً واضحا على نقل واقعة من سياقها الأصلي إلى سياق مختلف تماما.
حرائق المعابد والادعاء بلا سند
بعد ذلك، انتقلت المنشورات إلى المعابد الشنتوية والبوذية في اليابان، وبدأت تلمح إلى وجود صلة بين المسلمين أو الهجرة الإسلامية وبين حرائق في هذه المعابد، في محاولة لإنتاج نمط وهمي يوحي بأن الأمر يتكرر على نحو ممنهج.
غير أن البيانات الرسمية الخاصة بالحرائق في اليابان لا تقدم أي ما يثبت هذه العلاقة، كما لا توجد أدلة موثقة على إدانات بحق مهاجرين مسلمين في هذا الملف، ولذلك فإن السردية هنا تقوم على الإيحاء أكثر من قيامها على الإثبات، إذ يكفي الجمع بين صورة معبد محترق وتعليق عن المسلمين حتى تتكون لدى المتلقي علاقة لا تدعمها الوقائع.
ادعاء الترحيل الذي لم يصدر رسميا
في مسار موازٍ، انتشر محتوى باللغة الإنجليزية يزعم أن رئيسا جديدا للحكومة اليابانية أعلن ترحيل الأجانب “غير المتوافقين ثقافيا”، مع الإشارة إلى المسلمين الذين ظهروا في مشاهد صلاة قرب معالم يابانية، وصيغت الرسالة على نحو يوحي بأنها إعلان رسمي ذي طابع سياسي واضح.
لكن هذا الادعاء لم يرد في أي مصدر حكومي ياباني، ولم تصدر أي تصريحات رسمية تؤيد هذه الصياغة، ومع ذلك وجد طريقه إلى الانتشار لأنه يخاطب جمهورًا دوليا يبحث عن خطاب متشدد ضد الهجرة، ويحول اليابان في المخيال الرقمي إلى نموذج لدولة “تطرد غير المتوافقين” رغم غياب الأساس الواقعي.
ما دور الحسابات الأجنبية في تضخيم القصة؟
لم تبقَ الحملة داخل الفضاء الياباني، إذ التقطتها حسابات ناطقة بالإنجليزية وأعادت نشرها لجمهور أوسع، ومن بين هذه الحسابات حساب “DR Maalouf” الذي روّج لادعاءات عن صلاة المسلمين في اليابان وربطها بخطاب أشمل عن الشريعة والهجرة، كما دخلت حسابات أوروبية وأمريكية مناهضة للهجرة على الخط.
وأعادت هذه الحسابات صياغة القصة بما يناسب جمهورها، ففي النسخة اليابانية كان الحديث عن حماية اليابان، وفي النسخة الأوروبية كان التركيز على عدم تكرار ما حدث في أوروبا، بينما أصبحت الرواية في النسخة الأمريكية جزءا من صراع أوسع حول الحدود والهوية والهجرة.
لماذا ظهر ملف كأس العالم في السردية؟
دخل كأس العالم إلى الجدل من زاوية الهوية فقط، إذ استخدمت حسابات يابانية وأجنبية الحديث عن منتخبات متعددة الأصول، مثل منتخب فرنسا، للتحذير من تغيّرات ثقافية مرتبطة بالهجرة، من دون أن يكون المقصود هو الرياضة نفسها.
وكان الهدف من هذا الاستخدام هو تقديم المنتخبات ذات الخلفيات المتنوعة على أنها دليل على فقدان الهوية الوطنية، ثم ربط اليابان بمخاوف أوروبية وأمريكية حول الهجرة، رغم اختلاف الظروف السياسية والاجتماعية بين هذه البلدان.
ماذا تكشف احتجاجات فوجيساوا؟
في منتصف أبريل/نيسان الماضي، شهدت مدينة فوجيساوا في محافظة كاناغاوا اليابانية مظاهرة حاشدة تُعد من أبرز التجمعات المناهضة للمسلمين في اليابان خلال السنوات الأخيرة، إذ خرج المحتجون رفضا لمشروع بناء مسجد في المدينة، ورفعوا لافتات تحمل عبارات مثل “احتلال إسلامي” و”الطعام الحلال مزعج”.
كما تضمنت المطالب دعوات لوقف المشروع فورا، وأخرى إلى حظر المقابر الإسلامية وفرض الحرق كخيار وحيد للتعامل مع الموتى، وهو ما يظهر أن الجدل لم يكن معزولا عن المشروع العمراني، بل تحول إلى مساحة أوسع من التحريض الرمزي على الوجود الإسلامي نفسه.
وتوضح هذه التطورات أن الملف لم يعد مجرد خلاف محلي حول مسجد، بل أصبح مادة رقمية قابلة لإعادة التدوير عبر لغات وبلدان مختلفة، ومع تكرار المشاهد المفبركة والمقتطعة من سياقها، تتسع مساحة التضليل أكثر، وهو ما يجعل متابعة ما ينشره المستخدمون أمرا ضروريا، كما تبرز أهمية التحقق المهني الذي اعتمدته بوابة مصر في قراءة هذا المسار.
