الثقوب السوداء، تواصل جذب اهتمام العلماء مع صدور أحدث بيانات الموجات الثقالية التي أتاحت النظر إليها بوصفها مجموعة كبيرة لا مجرد أحداث منفردة، وقد كشفت هذه البيانات عن أنماط متعددة في الكتل والدوران وطرق التشكل، ما يمنح الفيزيائيين صورة أوضح عن هذا العالم شديد الغموض.
ما الذي كشفه الفهرس الجديد للموجات الثقالية؟
أصبح لدى علماء الفيزياء الفلكية اليوم رصيد رصدي كافٍ يسمح لهم بالانتقال من دراسة الحالات النادرة إلى تحليل الصورة الكاملة، وقد جاء ذلك مع الإصدار الأحدث من بيانات الموجات الثقالية الذي نشره تعاون ليغوـ فيرغوـ كارغا، إذ بلغ عدد الأحداث المرصودة نحو 390 حدثًا، معظمها ناتج عن تصادم أزواج من الثقوب السوداء، وهو ما أتاح بناء إحصاء واسع يوضح تنوع هذه الأجسام وطرائق نشأتها.
ويشير هذا الفهرس إلى أن الكون لا يصنع الثقوب السوداء بالطريقة نفسها في كل مرة، بل يبدو أن هناك مسارات مختلفة تؤدي إلى تشكلها، بعضها يرتبط بنجوم ضخمة ثنائية نشأت وتطورت معًا، وبعضها الآخر قد ينشأ داخل عناقيد نجمية مكتظة، بينما قد يكون جزء ثالث ناتجًا عن اندماجات سابقة بين ثقوب سوداء أقدم.
كيف رصد العلماء هذه الأجسام رغم أنها لا تُرى؟
تُعد الثقوب السوداء من أصعب الأجرام دراسة، لأنها لا تبعث ضوءًا يمكن التقاطه مباشرة، إذ إن جاذبيتها الشديدة تحني نسيج الزمكان حولها إلى حد يمنع حتى الضوء من الإفلات، ومع ذلك تمكن العلماء من فهم الكثير عنها عبر الموجات الثقالية، وهي تموجات في الزمكان تظهر عند تصادم الأجسام فائقة الكثافة.
وقد شكل عام 2015 نقطة تحول كبيرة، عندما رصدت البشرية الموجات الثقالية لأول مرة، وكانت تلك الإشارة ناتجة عن تصادم ثقبين أسودين، ومنذ ذلك الوقت تطورت قدرات الرصد بسرعة لافتة، حتى وصل متوسط الاكتشافات السنوية في الفهرس الأحدث إلى نحو 40 رصدًا في السنة.
ما الأنماط التي برزت في كتل الثقوب السوداء؟
أظهر التحليل الإحصائي أن كتل الثقوب السوداء لا تتوزع بشكل عشوائي كامل، بل تميل إلى التكتل في مجموعتين واضحتين، الأولى عند 10 كتل شمسية، والثانية عند 35 كتلة شمسية، وهذا التباين يساعد الباحثين على تمييز مصادرها المحتملة ومسارات تشكلها.
وتبدو المجموعة الأولى أكثر توافقًا مع سيناريو النجوم الثنائية الطبيعية التي تطورت معًا، أما المجموعة الثانية فما زالت تثير الأسئلة، لأن تفسيرها عبر التطور النجمي التقليدي وحده يبدو صعبًا، لذلك يظل احتمال أن تكون بعض هذه الثقوب السوداء من الجيل الثاني احتمالًا قويًا في التفسير العلمي الحالي.
لماذا يُعد الدوران السريع علامة مهمة؟
يرى الباحثون أن الدوران الشديد قد يكون دليلًا مهمًا على اندماجات تراتبية، أي سلسلة من التصادمات بين ثقوب سوداء، لأن بقايا التصادم قد تحتفظ بسرعة دوران مرتفعة، وهي سمة لا يسهل تفسيرها بطرق التكون العادية.
وقد لفت العلماء الانتباه إلى أن بعض الثقوب السوداء المكتشفة حديثًا تدور بسرعات فائقة، حتى إنهم ضربوا مثالًا بالشمس، إذ قالوا إنه لو تحولت إلى ثقب أسود ودارت بالسرعة نفسها التي تدور بها هذه الثقوب، لدارت حول نفسها آلاف المرات في الثانية الواحدة، وهو ما يوضح مدى تطرف هذه الأجسام.
ما أهمية الأحداث الفردية داخل هذا الفهرس؟
رغم أن الفهرس يضم عددا كبيرًا من الأحداث، فإن بعض الإشارات المنفردة تحمل قيمة خاصة، ومن أبرزها الإشارة التي حملت الرمز GW 250114، والتي وُصفت بأنها أوضح إشارة لثقب أسود رُصدت حتى الآن، وقد أتاحت إجراء اختبارات جديدة في الفيزياء النظرية.
كما سجّل الحدث GW 240615dg رقمًا قياسيًا جديدًا من حيث دقة تحديد موقع الرصد في السماء، ومع ذلك يذهب العلماء إلى أن القيمة الأكبر لا تكمن في هذه الأحداث الفردية وحدها، بل في الصورة العامة التي يقدمها الإحصاء الشامل عبر مئات الرصودات.
كيف تغيّر فهم العلماء لتشكل الثقوب السوداء؟
أوضح شاران باناغيري من جامعة موناش أن مجموعة الأحداث الحالية، التي تقارب 400 رصد، تقدم إشارة واضحة إلى أن اندماج الثقوب السوداء الثنائية يجري عبر طرق متعددة، وليس عبر مسار واحد ثابت، وهو ما يعكس تنوع البيئات الكونية التي تتشكل فيها هذه الأجسام.
كما قال ماكسيميليانو إيسي من معهد فلاتيرون التابع لمؤسسة سايمونز في الولايات المتحدة إن الفهرس الجديد يمنح العلماء ما يكفي من البيانات لاستخلاص خصائص الثقوب السوداء والوصول إلى منشئها، وهو ما يجعل الموجات الثقالية أداة أساسية لفهم تاريخ هذه الأجسام وتطورها عبر الكون.
ما الذي ينتظر علم الموجات الثقالية في المرحلة المقبلة؟
تشير الوتيرة الحالية للرصد إلى أن هذا المجال ما زال في بدايته، فبينما سجلت جولة الرصد الأولى لمرصد ليجو ثلاثة أحداث في غضون أربعة أشهر، أي بمعدل حدث واحد كل ستة أسابيع تقريبًا، وصلت الجولة الأخيرة إلى ما بين ثلاثة وأربعة أحداث في الأسبوع، وهذا التسارع يعني أن الصورة ستصبح أوضح مع مرور الوقت.
ومع تراكم البيانات، يتوقع العلماء أن تتعمق قدرتهم على التمييز بين الثقوب السوداء التي نشأت من نجوم ثنائية طبيعية، وتلك التي جاءت من عناقيد نجمية مكتظة، وتلك التي تمثل الجيل الثاني من الاندماجات، وهي نتائج تجعل هذا الفهرس محطة مهمة في فهم الكون، كما تعرضها بوابة مصر ضمن متابعة علمية مبسطة ودقيقة.
