الوقت السالب، يثير واحدًا من أكثر المفاهيم غرابة في الفيزياء الحديثة، إذ تبدو الجسيمات أحيانًا وكأنها تعبر مسافة ما قبل أن تدخلها فعلًا، أو تقضي داخل المادة زمنًا أقل من الصفر عند قياس سلوكها بدقة. وقد أعادت تجربة حديثة في دورية Physical Review Letters هذا الجدل إلى الواجهة من جديد.
من طروادة إلى إيثاكا في حكاية زمنية غريبة
تستعير الفكرة أصلها من سردية أدبية قديمة، حيث عاد أوديسيوس إلى موطنه بعد رحلة طويلة بدأت من طروادة وانتهت في إيثاكا، وبين محطات الرحلة تتوقف الحكاية عند جزيرة كاليبسو، التي أمضى فيها زمنًا طويلًا. لكن الفيزياء الكمومية تقدّم نسخة مختلفة تمامًا من هذا المشهد، نسخة لا تتعامل مع الزمن بوصفه خطًا مباشرًا دائمًا، بل بوصفه كمية يمكن أن يبدو سلوكها محيرًا عند القياس.
كيف سارت التجربة؟
اعتمد الباحثون على فوتونات، وهي جسيمات الضوء الكمومية، ووجهوها عبر سحابة من ذرات الروبيديوم، وهذه الذرات تمتاز بأنها تدخل في رنين مع الفوتونات عندما تتطابق طاقة الفوتون مع الطاقة اللازمة لإثارة الذرة. عند حدوث ذلك، قد تنتقل طاقة الفوتون مؤقتًا إلى الذرات في صورة إثارة ذرية، ثم يُعاد إطلاق الفوتون من جديد بعد فترة قصيرة داخل السحابة.
ولكي يتحقق هذا التفاعل، لا بد أن تكون طاقة الفوتون مضبوطة بدقة شديدة، وهذا ينسجم مع مبدأ عدم اليقين لهايزنبرج، فإذا تحددت الطاقة على نحو دقيق، أصبح توقيت الوصول غير محدد تمامًا، ولهذا تأتي النبضة الضوئية طويلة زمنيًا، مما يسمح بتقدير متوسط وقت دخول الفوتون للسحابة لا لحظة دخوله الدقيقة.
لماذا بدا الزمن سالبًا؟
عندما يمر فوتون عبر السحابة دون أن يتشتت، فإن الحسابات المبنية على متوسط زمن الدخول، وعلى افتراض أنه يسير بسرعة الضوء، تشير إلى أن وصوله إلى الطرف الآخر يحدث أبكر بكثير من المتوقع. والنتيجة المدهشة هنا أن الفوتون يبدو وكأنه قضى زمنًا سالبًا داخل السحابة، أي أنه خرج منها في المتوسط قبل أن يدخلها.
وقد عرفت الفيزياء هذه الظاهرة منذ عقود، ورُصدت بشكل واضح في تجربة عام 1993، لكن التفسير السائد آنذاك كان يميل إلى البساطة، إذ اعتبر كثيرون أن الجزء الأمامي من النبضة الطويلة فقط هو الذي يمر، بينما يتشتت باقي الجزء، فيظهر الأمر وكأن الجسيم وصل مبكرًا أكثر مما ينبغي.
ماذا أراد الباحثون أن يثبتوا؟
لم يرضَ إيفريم شتاينبرج، وهو أحد مؤلفي ورقة عام 1993، بذلك التفسير وحده، لذلك سعى في مختبره بجامعة تورنتو إلى معرفة ما يحدث داخل سحابة الروبيديوم نفسها، وبالتحديد كم من الوقت أمضاه الفوتون في حالة التفاعل والإثارة داخل الذرات.
غير أن المهمة لم تكن سهلة، لأن القياس في الفيزياء الكمومية يسبب اضطرابًا في النظام، وإذا جرى قياس الفوتون داخل الذرات بدقة في كل لحظة، فإن التفاعل نفسه قد يتوقف، وهي مشكلة ترتبط بأثر زينون الكمومي، حيث يؤدي الرصد المستمر إلى تعطيل تطور الحالة الكمومية.
ما الذي فعله الفريق تجريبيًا؟
للتغلب على هذه العقبة، استخدم الباحثون القياس الضعيف، وهو قياس لا يعطي صورة دقيقة لكل حالة منفردة، لكنه يصبح شديد الفعالية بعد المعايرة وتكرار التجربة عددًا كبيرًا من المرات، وبذلك يقل الاضطراب إلى الحد الأدنى الممكن.
- إرسال الضوء الضعيف: جرى إطلاق شعاع ليزر ضعيف عبر السحابة الذرية، بدلًا من قياس مباشر قد يفسد السلوك الكمومي.
- رصد الطور الضوئي: قيس التغير الطفيف في طور الضوء لمعرفة ما إذا كانت الذرات في حالة إثارة أم لا.
- تكرار المحاولات: تم جمع بيانات ملايين المحاولات للوصول إلى متوسط دقيق لزمن المكوث.
ماذا أظهرت النتائج؟
جاءت النتيجة لافتة للنظر، إذ أظهر زمن المكوث المقاس عبر الذرات قيمة سالبة، وهي نفس القيمة السالبة التي تنبأ بها تحليل زمن وصول الفوتونات، وبذلك لم يعد الأمر مجرد استنتاج غير مباشر، بل صار أثرًا مقاسًا على الوسط المادي الذي مر عبره الفوتون.
ومع أن هذا لا يعني إطلاقًا أننا أمام آلة زمن أو انتقال خارج قوانين الفيزياء، فإن التجربة تؤكد أن مفاهيم مثل الوقت السالب ليست خدعة حسابية، بل ظاهرة حقيقية ضمن الإطار القياسي نفسه، وتكشف أن عالم الكم ما زال يحمل مفاجآت تتجاوز الحسّ التقليدي للزمن والحركة.
ما أهمية هذا الاكتشاف؟
تكمن أهمية الدراسة في أنها تربط بين زمن الوصول وزمن المكوث داخل المادة، وتُظهر أن القياس الضعيف قادر على كشف تفاصيل دقيقة دون إفساد التجربة، كما تمنح فهمًا أعمق لكيفية تصرف الفوتونات داخل وسط ذري حساس للرنين. وفي سياق التغطيات العلمية المبسطة، يظل هذا النوع من النتائج مثالًا على قدرة العلم على إعادة تعريف ما نظنه بديهيًا، وهو ما تتابعه بوابة مصر ضمن عرضها لأبرز الاكتشافات الحديثة بأسلوب واضح ومتاح للقارئ العربي.
