الثروات القمرية، عاد الحديث عنها من جديد بعد أن كشف خبراء الفضاء أن الصورة الشائعة بشأن وجود مكامن ضخمة ومجدية اقتصاديا على سطح القمر قد تكون أقرب إلى المبالغة منها إلى الواقع، فالعينات التي جرى جمعها في بعثات سابقة، والدراسات الحديثة، ترسم مشهدا مختلفا عمّا يتداوله البعض حول كنوز معدنية بانتظار الاستخراج.
ما الذي تكشفه العينات القمرية؟
تشير نتائج العينات التي أُحضرت من القمر في رحلات فضائية سابقة إلى وجود معادن معروفة مثل الحديد والتيتانيوم والفاناديوم، وهي عناصر ليست نادرة على كوكب الأرض، ولا تمثل، وفق ما أوضحه الخبراء، قيمة اقتصادية استثنائية إذا ما جرى النظر إليها من زاوية التعدين التجاري، كما أن وجودها على سطح القمر لا يعني بالضرورة قابليتها للاستغلال الواسع أو السهل.
ويرى المختصون أن هذه المعطيات تعكس طبيعة مختلفة تماما عن الصورة المتداولة إعلاميا، إذ إن العثور على عنصر ما في سطح جرم سماوي لا يعني وجوده بكميات ضخمة، ولا يدل تلقائيا على إمكان تأسيس نشاط تعدين مربح في بيئة شديدة القسوة والصعوبة.
لماذا يختلف القمر جيولوجيا عن الأرض؟
يؤكد الباحثون أن تاريخ القمر الجيولوجي كان أبسط بكثير من تاريخ الأرض، وهو ما يفسر غياب عدد من العمليات التي تساعد عادة على تكوين ترسبات معدنية غنية ومتنوعة، فالأرض شهدت على مدى طويل حركة تكتونية ونشاطا بركانيا معقدا أسهما في تركيز ثروات تحت سطحها، بينما ظل القمر جرما خامدا نسبيا.
هذا الفارق الجوهري جعل الدراسات تميل إلى الاعتقاد بأن القمر لا يمتلك الظروف البيئية أو الجيولوجية التي تسمح بتكوين مناجم طبيعية كبيرة للمعادن النادرة، سواء في الوقت الحاضر أو في المدى القريب، وهو ما يقلل من فرص تحويله إلى مصدر اقتصادي ضخم كما يتصور البعض.
واقع الثروات القمرية
أفاد المختصون بأن الأبحاث الجيولوجية الحديثة تدعم فرضية مفادها أن الموارد القمرية لا تزال بعيدة عن الصورة التي يروج لها من يتحدثون عن ثروات هائلة، فالاكتشافات الأخيرة التي أعلنتها فرق بحثية صينية وأمريكية حول عناصر نادرة على سطح القمر لا تعني بالضرورة أن هذه العناصر متوافرة بكميات كبيرة أو أن استخراجها سيكون ميسورا.
وبحسب ما طرحه الخبراء، فإن فهم الواقع الحقيقي للقمر يقتضي الفصل بين وجود مواد متفرقة على السطح وبين وجود احتياطات اقتصادية قابلة للتوظيف الصناعي، لأن البيئة القمرية نفسها تفرض تحديات تجعل التعدين أكثر تعقيدا وكلفة من أي تصور تقليدي.
ما أبرز تحديات التعدين الفضائي؟
يرى الباحثون أن التعدين الفضائي يواجه عوائق تتجاوز فكرة العثور على المعدن نفسه، فالمشكلة الأساسية تكمن في طبيعة تكوين الأجرام السماوية، وفي الظروف التشغيلية الصعبة التي تحيط بعمليات الحفر والنقل والمعالجة على سطح القمر، لذلك يبقى الحديث عن استغلال تجاري واسع أمرا غير محسوم.
- غياب العمليات الجيولوجية المعقدة: يقلل من فرص تكوين رواسب معدنية متنوعة وغنية.
- البيئة القمرية القاسية: تجعل العمل الميداني أصعب بكثير من بيئات التعدين على الأرض.
- عدم وضوح الجدوى الاقتصادية: إذ لا تكفي مؤشرات الوجود السطحي لتأكيد الربحية التجارية.
- صعوبة الاستخراج والنقل: وهي عوامل تضيف تعقيدا كبيرا لأي مشروع مستقبلي.
وتعزز هذه العوامل مجتمعة قناعة الكثير من المختصين بأن الرهان على ثروات معدنية قمرية طائلة لا يزال سابقا لأوانه، وأن الواقع العلمي يظل أكثر تحفظا من التوقعات الشائعة.
هل يمكن أن يصبح القمر منجما اقتصاديا في المستقبل؟
بحسب الرؤية التي عرضها الباحثون، فإن القمر لا يبدو مرشحا، في الأفق المنظور، لأن يتحول إلى مصدر ثروة معدنية يغير موازين الاقتصاد العالمي، فالتنافس الدولي الحالي حوله يرتبط بأهداف علمية واستراتيجية أكثر من ارتباطه بأحلام التعدين الواسع، كما أن أي حديث عن استثمار ضخم يحتاج إلى أدلة أوضح بكثير من البيانات المتاحة اليوم.
ويختصر الخبراء المشهد بأن الاهتمام بالقمر يجب أن يظل موجها نحو تطوير المعرفة العلمية وفهم نشأة الكون، لا نحو البناء على فرضيات اقتصادية غير مؤكدة، وفي هذا السياق تقدم بوابة مصر عرضا أوضح لما تكشفه الدراسات الحديثة بعيدا عن المبالغات المنتشرة حول كنوز القمر.