الممر البري الجديد، عاد إلى الواجهة مع حديث صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية عن تحركات تركية وسعودية تهدف إلى إنشاء مسار للنقل والتجارة يربط الخليج بأوروبا عبر سوريا والأردن، في خطوة تراها الصحيفة منافسة مباشرة للمشاريع التي تراهن عليها إسرائيل، وعلى رأسها الممر الاقتصادي الهند-الشرق الأوسط-أوروبا.
مشروع يتجاوز إسرائيل ويعيد رسم طرق التجارة
قالت الصحيفة إن التصور المطروح يتيح نقل البضائع من آسيا إلى أوروبا عبر الأراضي السورية والأردنية ثم إلى تركيا، من دون المرور بإسرائيل أو الاعتماد على ميناء حيفا، الذي يشكل أحد العناصر الأساسية في المشروع الذي تدعمه تل أبيب، كما نقلت عن وكالة الأناضول، وأضافت أن هذا التوجه يكتسب زخما في ظل اضطراب الممرات البحرية في المنطقة، وارتفاع المخاوف المرتبطة بأمن الإمدادات.
وبحسب ما أوردته، فإن تركيا والسعودية ودمشق تتحرك لاستثمار التحولات الإقليمية من أجل دفع بديل بري أكثر استقرارا، خصوصا مع تصاعد التوتر في مضيق هرمز، والتهديدات المتكررة التي تطال الملاحة في باب المندب، وهو ما جعل فكرة الطرق البرية البديلة أكثر حضورا في الحسابات الاقتصادية والسياسية.
إحياء سكة حديد الحجاز
تستند الفكرة، وفق الصحيفة، إلى إحياء أجزاء من سكة حديد الحجاز التاريخية، وربطها بممر حديث يتيح نقل البضائع وسلاسل التوريد بين الخليج وتركيا ثم أوروبا، وكانت هذه السكة قد ربطت دمشق بالمدينة المنورة منذ عام 1908، في أحد أبرز مشاريع البنية التحتية في العهد العثماني.
وقد أنشئت سكة حديد الحجاز بين عامي 1900 و1908 بطول 1322 كيلومترا، وكان هدفها تسهيل رحلات الحجاج وتقليص مدتها من أشهر إلى أيام، إلى جانب تعزيز الروابط الاقتصادية والسياسية في العالم الإسلامي، وهو ما يمنح الحديث عن إحيائها اليوم بعدا تاريخيا يلتقي مع الرهانات اللوجستية الحديثة.
مؤشرات تقدّم المشروع في الرياض
وأشارت يديعوت أحرونوت إلى أن المشروع شهد دفعة جديدة هذا الأسبوع، بعد توقيع وزير النقل والبنية التحتية التركي عبد القادر أورال أوغلو ووزير النقل والخدمات اللوجستية السعودي صالح الجاسر مذكرتي تفاهم في مجالي السكك الحديدية والخدمات اللوجستية، وذلك خلال اجتماع عُقد في الرياض يوم 9 يونيو/حزيران 2026.
وترى الصحيفة أن هذه الخطوة تعكس مستوى أعلى من التنسيق بين أنقرة والرياض في ملفات النقل العابر للحدود، خاصة مع تزايد الاهتمام بربط الأراضي السورية والأردنية بشبكات نقل أوسع، بما يسمح بإنشاء مسار تجاري قادر على خدمة حركة الشحن بين الخليج وأوروبا بصورة مباشرة.
لماذا يقلق هذا المسار إسرائيل؟
بحسب قراءة الصحيفة، فإن القلق الإسرائيلي لا يرتبط فقط بالمنافسة الاقتصادية، بل أيضا بإعادة توزيع الأدوار في خرائط التجارة الإقليمية، إذ إن نجاح الممر الجديد قد يقلص أهمية المسار الذي يمر عبر الأراضي الإسرائيلية، ويضعف الرهان على مشروع الربط الذي تروج له إسرائيل مع شركائها.
وتلفت الصحيفة إلى أن المشروع المنافس الذي تدعمه تل أبيب يقوم على ربط الهند بأوروبا عبر الشرق الأوسط، في حين يمنح المسار التركي السعودي المقترح أفضلية المرور عبر سوريا والأردن ثم تركيا، من دون الحاجة إلى بنية إسرائيلية مثل ميناء حيفا، وهو ما يجعله أكثر استقلالا من وجهة نظر الدول الداعمة له.
ما العوامل التي تدفع الدول إلى البحث عن بدائل برية؟
ترى الصحيفة أن الممرات البحرية في الشرق الأوسط أصبحت من أكثر النقاط حساسية في النظام التجاري العالمي، فمضيق هرمز يمر عبره نحو 20% من صادرات النفط العالمية، فيما يشكل باب المندب نقطة عبور رئيسية تربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس، ما يجعل أي اضطراب فيهما مؤثرا على التجارة الدولية.
كما أن التوترات الأمنية المتكررة، بما فيها الهجمات على خطوط الشحن والتهديدات العسكرية، دفعت دولا عديدة إلى إعادة التفكير في الاعتماد الكامل على المسارات البحرية، والبحث عن بدائل برية قادرة على تقليل المخاطر وضمان استمرار التدفق التجاري في بيئة أكثر استقرارا.
أبعاد اقتصادية وجيوسياسية لتركيا
لا ينظر إلى المشروع بوصفه مسارا تجاريا فقط، بل كأداة لتعزيز موقع تركيا الجيوسياسي، إذ تسعى أنقرة إلى ترسيخ نفسها مركزا لوجستيا يربط آسيا بأوروبا والشرق الأوسط، كما أن توسيع هذا الدور قد يدعم تجارتها مع الدول العربية، التي بلغ حجم التبادل معها نحو 27.7 مليار دولار في عام 2024.
وتضيف المعطيات الاقتصادية بعدا آخر للمشروع، إذ يمكن أن يسهم الخط في خفض تكاليف النقل وتسريع حركة البضائع، خاصة أن تكاليف التجارة في المنطقة العربية تصل إلى نحو 148% من قيمة البضائع، وفق تقديرات دولية، وهو ما يجعل أي تحسين في البنية التحتية ذا أثر مباشر على سلاسل الإمداد.
كيف ينعكس المشروع على خريطة الربط بين آسيا وأوروبا؟
إذا مضى هذا المسار إلى الأمام، فإنه قد يفتح بابا جديدا لإعادة توزيع حركة التجارة بين الشرق والغرب، ويمنح سوريا والأردن وتركيا أدوارا أكثر مركزية في شبكات النقل الإقليمية، كما قد يقلص مساحة المشاريع التي تعتمد على المرور بإسرائيل أو على الموانئ المرتبطة بها.
وفي ظل هذا التنافس المتصاعد بين المسارات البرية والبحرية، تبدو المنطقة أمام مرحلة جديدة من إعادة تشكيل البنية اللوجستية، حيث تتقاطع الحسابات الاقتصادية مع الاعتبارات الأمنية، وتبرز مشاريع النقل بوصفها أحد أهم أدوات التأثير في مستقبل التجارة الدولية، بحسب ما أوردته بوابة مصر.
