**الفيزياء الكمومية**، لم تعد حكرًا على المعادلات المعقدة وحدها، بعدما تمكن باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا من إعادة صياغة بعض ظواهرها بلغة كلاسيكية مألوفة، مع الحفاظ على الدقة الرياضية نفسها، وهو ما يفتح بابًا جديدًا لفهم الشق المزدوج، والنفق الكمومي، وسلوك الجسيمات الدقيقة.
كيف بدأ التحول في فهم السلوك الكمومي؟
انطلق العمل من فكرة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في نتائجها، إذ عاد الباحثان وينفريد لوميلر وجان جاك سلوتين إلى مفاهيم مألوفة في الميكانيكا الكلاسيكية، ثم أضافا إليها تعديلات رياضية تسمح بوصف الظواهر التي كانت تُنسب حصريًا إلى معادلة شرودنجر، وبهذا ظهرت طريقة جديدة للحساب لا تنفي ميكانيكا الكم، بل تعيد التعبير عنها بصورة مختلفة.
ويرتكز هذا التوجه على معادلة هاميلتون-جاكوبي، وهي من الصيغ الأساسية في الفيزياء الكلاسيكية، وتقوم على مبدأ الفعل الأدنى، أي إن الجسم يسلك المسار الذي يجعل كمية الفعل في أقل مستوى ممكن، وقد كان هذا المفهوم معروفًا في وصف حركة الأجسام العادية، قبل أن يكتشف الفريق أنه قادر، مع بعض التوسعات، على التعامل مع حالات كمومية أيضًا.
ما الذي فعله الباحثان في MIT؟
أعاد الفريق النظر في العلاقة بين المسار والكثافة، ثم دمج بينهما في صيغة رياضية واحدة، وبذلك لم يعد المطلوب حساب عدد لا نهائي من المسارات كما في الصياغة التقليدية المرتبطة بفاينمان، بل أمكن الاكتفاء بعدد محدود من المسارات الكلاسيكية التي تحقق الفعل الأدنى، مع الأخذ في الاعتبار توزيع الاحتمالات.
وقد أوضح لوميلر أن الفكرة يمكن فهمها بطريقة قريبة من ديناميكا السوائل، فكما تتجمع المياه أكثر في منطقة معينة عند توجيه خرطوم نحو جدار، تتجمع الاحتمالات أيضًا في مسارات محددة أكثر من غيرها، وهذا التوزيع هو ما يسمح بالتنبؤ بسلوك الجسيمات الدقيقة، دون التخلي عن الأساس الرياضي الذي اعتمد عليه العلماء.
كيف فُهمت تجربة الشق المزدوج بهذه الطريقة؟
تُعد تجربة الشق المزدوج من أشهر الأمثلة على غرابة العالم الكمي، إذ يظهر فيها الفوتون وكأنه يسلك أكثر من مسار في الوقت نفسه، وهو ما يؤدي إلى نمط من الخطوط المضيئة والمظلمة على الشاشة، وليس إلى نقطة واحدة كما تتوقع الفيزياء الكلاسيكية، وقد كانت هذه النتيجة دائمًا من أصعب ما فُسر رياضيًا.
لكن النموذج الجديد الذي طوره سلوتين ولوميلر نجح في إعادة إنتاج النتيجة نفسها، من خلال النظر إلى مسارين كلاسيكيين فقط بدلًا من المسارات غير المحدودة، ثم حساب الكثافة المرتبطة بكل مسار، وقد انتهت هذه العملية إلى دالة موجية مطابقة للدالة التي تنتج من معادلة شرودنجر، وهو ما اعتبره الباحثان إنجازًا رياضيًا واضحًا.
ما أبرز الظواهر التي نجح النموذج في وصفها؟
لم يتوقف الأمر عند الشق المزدوج، بل امتد إلى ظواهر كمومية أخرى معروفة، وقد أظهر الباحثان أن الصيغة المعدلة تستطيع تفسير النفق الكمومي، وهو السلوك الذي تعبر فيه الجسيمات حواجز طاقية لا يمكنها تجاوزها وفق الفيزياء الكلاسيكية، كما تمكنا من اشتقاق الدالة الموجية للإلكترون في ذرة هيدروجين انطلاقًا من المدار الفلكي الكلاسيكي للكواكب.
- النفق الكمومي: تمكن النموذج من وصف عبور الجسيمات لحواجز طاقية غير قابلة للاختراق كلاسيكيًا.
- ذرة الهيدروجين: جرى اشتقاق الدالة الموجية للإلكترون اعتمادًا على تصور كلاسيكي للمدارات.
- تجربة أينشتاين-بودولسكي-روزن: تمت مراجعة هذه التجربة الشهيرة المرتبطة بالتشابك الكمي.
لماذا يعد هذا العمل مهمًا؟
تكمن أهمية الدراسة في أنها لا تدعي وجود خلل في ميكانيكا الكم، بل تقدم وسيلة أخرى للحساب، تعتمد على مفاهيم كلاسيكية قديمة أعيد تنظيمها بشكل مبسط، وهذا ما يمنحها قيمة نظرية وعملية في الوقت نفسه، خاصة مع الإشارة إلى إمكانية الاستفادة منها في فهم الأنظمة الكمومية التي تتداخل فيها عوامل كثيرة.
ويرى الفريق أن لهذه الصيغة آثارًا محتملة في مجالات مثل الحوسبة الكمومية، وفي دراسة المسائل التي تجمع بين الفيزياء الكمومية والنسبية العامة، كما أكد سلوتين أن الهدف ليس إلغاء الصيغ المعروفة، بل إثبات أن السلوك الكمومي يمكن توصيفه بدقة عبر أدوات كلاسيكية بسيطة، دون التضحية بالنتائج النهائية نفسها.
ما الذي يعنيه هذا للعلماء والباحثين؟
يفتح هذا التفسير الرياضي بابًا جديدًا أمام الباحثين الذين يبحثون عن أدوات أكثر وضوحًا في دراسة الجسيمات الدقيقة، لأنه يخفف من التعقيد الحسابي في بعض الحالات، ويمنح تصورًا أقرب إلى اللغة الكلاسيكية التي اعتادها الفيزيائيون والمهندسون، ومع ذلك يبقى الالتزام الأساسي هو الحفاظ على التطابق مع النتائج الكمومية المعروفة.
وبينما يستمر الاهتمام العالمي بهذه المقاربة الجديدة، فإن المقالات العلمية التي تتناولها في بوابة مصر تساعد القارئ على متابعة أحدث ما يصدر في هذا المجال بلغة مبسطة، مع الحفاظ على المعنى العلمي الدقيق، وهو ما يجعل هذا التطور أحد أكثر الموضوعات إثارة في الفيزياء الحديثة اليوم.
