مرصد العوالم الصالحة للحياة، يقترب من أن يصبح أحد أكثر المشاريع الفلكية طموحا في تاريخ ناسا، إذ يهدف إلى التقاط صور مباشرة لكواكب شبيهة بالأرض وتحليل أغلفتها الجوية بحثا عن دلائل قد تكشف وجود حياة خارج كوكبنا، في خطوة قد تعيد رسم فهمنا لمكان الإنسان في الكون.
كيف بدأ سباق البحث عن الكواكب المشابهة للأرض
قبل عقود قليلة فقط، كان الحديث عن كواكب خارج المجموعة الشمسية أقرب إلى الاحتمال النظري منه إلى الواقع العلمي، أما اليوم فقد أصبح الفلكيون يعرفون آلاف الكواكب التي تدور حول نجوم أخرى، وهذا التقدم فتح الباب أمام مرحلة جديدة من البحث، لا تكتفي باكتشاف الكوكب نفسه، بل تحاول فهم طبيعته وإمكان سكنه.
وفي هذا السياق، تعمل ناسا على تطوير تلسكوب فضائي عملاق يحمل اسم مرصد العوالم الصالحة للحياة، وهو مشروع يُفترض أن يتيح دراسة الكواكب القريبة الشبيهة بالأرض بصورة مباشرة، مع التركيز على الغلاف الجوي باعتباره السجل الأكثر أهمية لمعرفة ما إذا كان الكوكب صالحا للحياة أم لا.
ما الذي يحاول التلسكوب رصده؟
يعتمد المشروع على تحليل الضوء المنعكس من الكواكب، فعندما يمر الضوء عبر الغلاف الجوي لكوكب ما، تترك الغازات الموجودة فيه علامات واضحة في الطيف الضوئي، ويمكن للعلماء من خلالها التعرف إلى مكونات الغلاف الجوي بدقة عالية.
وتأتي أهمية هذه الطريقة من أنها لا تبحث فقط عن وجود كوكب، بل عن بصمات كيميائية قد ترتبط بالحياة، مثل الأكسجين، والأوزون، والميثان، وبخار الماء، لكن رصد هذه الغازات يتطلب قدرة تحليلية طيفية متقدمة، لأن الفروق بينها قد تكون دقيقة جدا، ولأن معرفة هذه الفروق تحتاج إلى جهاز شديد الحساسية وإلى وقت رصد طويل نسبيا.
الأرض القديمة مرآة لاختبار المهمة
حتى يحدد الباحثون ما الذي ينبغي أن ينجزه التلسكوب مستقبلا، لجأوا إلى محاكاة الأرض في مراحل مختلفة من تاريخها، وكأنها كوكب بعيد يراقب من مسافة هائلة، وهذه المقارنة تساعد على فهم كيف يمكن أن تبدو علامات الحياة في عوالم لا تشبه الأرض الحالية تماما.
ففي حقبة الأركي، قبل ظهور النباتات والكائنات المنتجة للأكسجين، كان الغلاف الجوي للأرض فقيرا جدا بهذا الغاز، ثم في حقبة البروتيروزوي بدأت كميات محدودة من الأكسجين بالظهور، وبعد ذلك في حقبة الفانيروزوي ارتفعت النسبة إلى مستويات قريبة من النسبة الحالية مع انتشار الحياة المعقدة، وكل مرحلة من هذه المراحل تترك بصمة طيفية مختلفة يجب على التلسكوب المستقبلي أن يلتقطها.
ما المواصفات المطلوبة؟
أظهرت الدراسة العلمية المنشورة على منصة أركايف، والتي لم تخضع بعد لتحكيم الأقران، أن نجاح المهمة سيعتمد بدرجة كبيرة على الدقة الطيفية في أكثر من نطاق، لأن كل غاز يفرض متطلبا مختلفا على الجهاز، وكل زيادة أو نقص في هذه الدقة قد يغير قدرة المرصد على التمييز بين الإشارات الحقيقية والقراءات المربكة.
- الأكسجين في الضوء المرئي: يحتاج إلى قدرة تحليلية طيفية تبلغ نحو 140.
- الأوزون في الأشعة فوق البنفسجية: يمكن اكتشافه بدقة أقل بكثير تبلغ نحو 7.
- ثاني أكسيد الكربون وأول أكسيد الكربون في الأشعة تحت الحمراء القريبة: يتطلب التمييز بينهما دقة لا تقل عن 40.
- الرصد الشامل للكواكب الشبيهة بالأرض: توصي الدراسة بقيمة تقارب 70 عبر مختلف مراحل التطور.
وللوصول إلى هذه الأرقام، أنشأ العلماء آلاف الأطياف الاصطناعية للكواكب، ثم حللوها بخوارزميات متقدمة مع احتساب ضوضاء الأجهزة، وزمن التعريض، والعوامل التي قد تؤدي إلى استنتاجات مضللة بشأن وجود حياة.
كيف سيقلل التلسكوب من تأثير النجم؟
من التحديات الأساسية في هذا النوع من الرصد أن ضوء النجم يكون أقوى بكثير من ضوء الكوكب، لذلك يعتمد التصميم المقترح على استخدام الكوروناغراف، وهو أداة تحجب ضوء النجم حتى يمكن دراسة الكواكب التي تدور حوله مباشرة، من دون أن يطغى الوهج النجمي على الإشارة الضعيفة القادمة من الكوكب.
وتساعد هذه التقنية على جعل المرصد قادرا على رصد العوالم الصغيرة البعيدة التي كانت في السابق خارج نطاق الملاحظة الدقيقة، كما تمنح العلماء فرصة تحليل تركيب الغلاف الجوي بدل الاكتفاء بمعلومة وجود الكوكب فقط.
ما الذي تعنيه هذه النتائج فعليا؟
رغم أن الدراسة تقدم أهدافا تقنية واضحة لمهندسي ناسا، فإنها لا تعني أن اكتشاف الأكسجين أو الأوزون أو الميثان سيؤكد وجود الحياة بشكل مباشر، لأن الطبيعة يمكن أن تنتج بعض هذه الغازات بطرق غير حيوية أيضا، وهذا يجعل التفسير العلمي أكثر تعقيدا من مجرد العثور على غاز واحد في الغلاف الجوي.
ومع ذلك، فإن القيمة الحقيقية للمهمة تكمن في اختيار أكثر الكواكب وعدا للدراسة التفصيلية، ثم بناء صورة أوسع عن البيئات التي قد تسمح بوجود حياة، سواء كانت حياة بدائية أو أكثر تقدما، لذلك فإن الهدف النهائي للمرصد هو تحويل الاحتمال إلى معرفة قابلة للاختبار.
هل يقترب العلم من الإجابة عن سؤال الحياة خارج الأرض؟
يشير هذا المشروع إلى أن العلماء باتوا يملكون الأدوات النظرية والتقنية التي تجعل البحث عن الحياة خارج الأرض أكثر واقعية من أي وقت مضى، لكن الطريق ما زال طويلا، لأن القياس الدقيق، والتمييز بين الإشارات، والتعامل مع الضوضاء، كلها عناصر تحدد ما إذا كان المرصد سيحقق وعوده الكبيرة.
وفي النهاية، يبقى هذا الملف واحدا من أعمق الملفات العلمية التي تشغل البشر، فكل تقدم في هذا المجال يقربنا من فهم أوسع للكون، ويزيد من احتمال العثور على عالم آخر يحمل ظروفا مناسبة للحياة، ومن خلال متابعة مثل هذه التطورات العلمية تواصل بوابة مصر تقديم أحدث ما يصل إليه البحث الفلكي بلغة واضحة ومباشرة.
