انقلاب في العش.. دبابير تتصارع على العرش وأخرى تنقذ المملكة

انقلاب في العش.. دبابير تتصارع على العرش وأخرى تنقذ المملكة
محرر الخبر علياء الهاجري
حجم الخط

دبابير الورق، تكشف دراسة حديثة في بنما عن طريقة غير متوقعة تحافظ بها هذه الحشرات على تماسك مستعمراتها عند اختفاء الأنثى المهيمنة، إذ لا يتوقف العمل داخل العش، بل تتوزع الأدوار بين منافسة على القيادة وتعويض فوري للنقص في جمع الغذاء ورعاية المستعمرة.

كيف تعاملت المستعمرات مع غياب الملكة

تركزت الدراسة على دبابير ورق استوائية من نوع بوليستس كانادينيسيز، وهو نوع يعيش في أمريكا الوسطى والجنوبية، ويسود داخله نظام اجتماعي قائم على أنثى مهيمنة تتولى وضع البيض، بينما تقوم بقية الإناث بمهام الدفاع والرعاية وجمع الغذاء، وقد أراد الباحثون معرفة ما يحدث عند فقدان هذه الأنثى فجأة.

ولفهم المشهد داخل العش بعد غياب الملكة، راقب الفريق 19 مستعمرة في منطقة قناة بنما، ثم أزال الملكة عمدا من بعض الأعشاش، وتابع سلوك الإناث خلال الأيام التالية، مع تسجيل مئات الساعات من الملاحظات المتعلقة بالعدوان والتغذية والخروج للبحث عن الطعام وحركة الأفراد داخل المستعمرة وخارجها.

صراع سريع داخل العش

أظهرت النتائج أن التغيير كان فورا تقريبا، إذ ارتفع السلوك العدواني خلال أقل من 24 ساعة من اختفاء الملكة، وتحولت الأعشاش التي بدت مستقرة إلى بيئات تنافسية، حيث بدأت الإناث بالمطاردة والقتال ومحاولات فرض السيطرة، وارتفع عدد الحوادث العدوانية من نحو أربع مرات في الساعة إلى قرابة ثلاثين، ثم تجاوز أربعين حادثة بعد ثلاثة أيام فقط.

ومع ذلك، لم يشمل الصراع كل أفراد المستعمرة، فحوالي 40% من الإناث شاركن في التنافس على موقع الملكة الجديدة، بينما بقيت إناث أخريات خارج المواجهة المباشرة، وواصلن أداء أدوار مختلفة داخل العش، وهو ما شكّل أحد أهم الاستنتاجات في الدراسة.

كيف استمر العمل رغم المنافسة؟

بينما انشغلت بعض الإناث بالصراع على السلطة، زادت إناث أخريات من نشاطهن اليومي، خصوصا في جمع الغذاء، وبعضهن لم يكن يقمن بهذه المهمة من قبل، لكنه تحول فجأة إلى عاملات نشيطات لتعويض غياب اللواتي انخرطن في المنافسة، وبذلك حافظت المستعمرة على تدفق الغذاء بمعدلات قريبة من الوضع الطبيعي.

وأظهر الباحثون أن الإناث الأكثر عدوانية خففت في المقابل من جهودها في البحث عن الغذاء، في حين فعلت الإناث التركيزات على العمل العكس تماما، ما يعني أن المستعمرة انقسمت مؤقتا إلى مجموعتين واضحتين، مجموعة تنافس على القيادة، ومجموعة تبقي الحياة اليومية مستمرة داخل العش.

ملامح هذا التنظيم الاجتماعي

  • توزع الأدوار: بعض الإناث تتجه إلى الصراع على المنصب القيادي، وأخريات يواصلن العمل لتعويض الغياب،.
  • استمرار الإمداد الغذائي: جمع الطعام ظل قريبا من مستواه المعتاد رغم الاضطراب الداخلي،.
  • مرونة اجتماعية: السلوك الجماعي لا ينهار لأن الجميع لا يتحركون في الاتجاه نفسه،.
  • تحول سريع في السلوك: إناث غير عاملة سابقا قد تصبح عاملة عند الحاجة،.

هل يمكن التنبؤ بالملكة الجديدة?

بحسب الدراسة، لم يكن من السهل معرفة هوية الملكة الجديدة مسبقا، فالإناث التي أصبحت ملكات لاحقا لم تكن بالضرورة الأكثر عدوانية أو هيمنة قبل اختفاء الملكة الأصلية، ولم تبدأ ملامح الفائزة في الظهور إلا بعد أيام من الصراع، حين برزت أنثى واحدة تدريجيا بوصفها المسيطرة الجديدة داخل المستعمرة.

ويقول المؤلف الرئيسي للدراسة، أوين كوربيت، الباحث في مركز أبحاث التنوع البيولوجي والبيئة في جامعة كلية لندن، إن النتائج كانت واضحة وسريعة، وإن المستعمرة لم تتوقف عن العمل رغم اشتداد المنافسة، ويضيف أن هذا لا يعني أن الدبابير تتخذ قرارا واعيا كما يفعل البشر، لكنه يكشف عن مرونة اجتماعية مهمة.

لماذا تعد هذه النتائج مهمة؟

يرى الباحثون أن ما حدث في دبابير الورق قد يساعد في فهم آليات أوسع في الكائنات الاجتماعية الأخرى، لأن التعاون في التربية والعمل لا يقتصر على هذا النوع، بل يوجد أيضا لدى بعض الطيور والأسماك والثدييات الاجتماعية مثل السرقاط والفئران الخلدية العارية، ما يجعل هذه المرونة سمة تستحق المزيد من البحث.

وفي الوقت نفسه، أوضح الفريق أن للدراسة حدودا مهمة، فهي أُجريت على عدد محدود نسبيا من المستعمرات في بنما، كما أن بيانات أعمار الدبابير وحالتها الفسيولوجية لم تكن مكتملة، لذلك لم يمكن تحديد السبب الدقيق الذي يدفع بعض الإناث إلى المنافسة، بينما تتجه أخريات إلى زيادة العمل.

ما الذي بقي غير محسوم في الدراسة؟

لا تزال هناك نقاط تحتاج إلى بحث لاحق، لأن النشاط المرتبط بجمع الغذاء استُخدم مؤشرا غير مباشر على استمرار رعاية الصغار، وهذا يعني أن التأثير الفعلي للصراع على بقاء اليرقات لم يُحسم بعد، رغم أن المؤشرات الحالية توضح أن المستعمرة استطاعت تجاوز لحظة انتقال السلطة دون انهيار فوري.

وقد حصل البحث على دعم من المجلس البريطاني لبحوث البيئة الطبيعية عبر برنامج تدريب الدكتوراه في لندن، إلى جانب زمالة من معهد سميثسونيان ومنحة بحثية أخرى من المجلس نفسه، وتقدم هذه النتائج صورة أوضح عن قدرة المجتمعات الحشرية على امتصاص الصدمات، وهو ما تتابعه بوابة مصر ضمن تغطيتها العلمية للأبحاث الحديثة.

تاريخ آخر تحديث للخبر
تابع الآن أهم الأخبار عبر Google News
متابعة
علياء الهاجري

علياء الهاجري محرر الخبر

علياء الهاجري - كاتبة محتوى ذات خبرة عملية في كتابة وصياغة الخبر الصحفي تتخطى السع سنوات، حصلت على بكالوريوس الإعلام - جامعة القاهرة عام 2009 ، وها أنا حالياً متابعة جيدة لأخبار الوطن العربي، ومُتحدثة لبقة، سعودية المنشأ، سعودية الطباع، سعودية ككل، إنتمائي لوطني الأخضر يفوق الحدود.