**الكواكب الخارجية**، لم تعد دراستها تعتمد فقط على رؤية الأجسام نفسها، بل بات العلماء قادرين على استنتاج وجودها وقياس خصائصها من آثارها داخل الأقراص الغبارية المحيطة بالنجوم الفتية، في خطوة جديدة توسّع أدوات فهم ولادة العوالم البعيدة، وتفتح بابا مهما أمام استكشاف الأنظمة الكوكبية الناشئة.
تقنية جديدة تقرأ آثار الكوكب بدل رؤيته
نجح فريق دولي من علماء الفلك في تطوير أسلوب رصد يعتمد على تحليل الحلقات والأثلام التي تظهر داخل الأقراص الكوكبية الأولية، وهي الأقراص التي تحيط بالنجوم الشابة وتعد البيئة التي تتشكل فيها الكواكب، وقد أظهر هذا الأسلوب أنه قادر على تقديم تقديرات أدق لكتل الكواكب المختبئة داخل تلك الأقراص، حتى عندما يتعذر تصويرها مباشرة.
وتقوم الفكرة الأساسية على أن الكوكب الفتي، أثناء دورانه حول نجمه الأم، يترك بصمة واضحة على مادة القرص من خلال حفر ممرات وفجوات، ثم تتكون حوله حلقات غبارية تختلف في السطوع والعرض، وهذه السمات البصرية أصبحت اليوم أداة علمية لاكتشاف الكتلة والخصائص الأساسية للكواكب الوليدة.
كيف تعمل الطريقة الجديدة؟
اعتمدت الدراسة على محاكاة حاسوبية متقدمة، قادتها الباحثة أمينة فاروقي من مجموعة الفلك والفيزياء الفلكية بجامعة وورويك البريطانية، بهدف تتبع تأثير الكتل المختلفة للكواكب على شكل الحلقات الغبارية المحيطة بها، وقد مكنت هذه المحاكاة العلماء من اختبار العلاقة بين الكوكب وما يتركه من أثر داخل القرص.
وأظهرت النتائج أن هناك معيارين رئيسيين يمكن الاعتماد عليهما لتقدير كتلة الكوكب المختبئ، هما عرض الحلقة الغبارية، وموقع أكثر مناطقها سطوعا، كما تبين أن الصلة بين كتلة الكوكب وشدة السطوع القصوى للحلقة تبقى شبه ثابتة، بصرف النظر عن الطول الموجي للرصد أو حجم حبيبات الغبار الموجودة داخل الحلقة.
وهذا الثبات في العلاقة يجعل التقنية أكثر سهولة في التطبيق، لأن العلماء لم يعودوا بحاجة إلى معرفة كل التفاصيل الدقيقة للبيئة المحيطة بالنجم كي يحصلوا على تقدير موثوق لكتلة الكوكب.
ما الذي يميز هذا الأسلوب العلمي؟
تكتسب الطريقة الجديدة أهميتها من كونها لا تكتفي بالكشف عن وجود فجوة في القرص، بل تحول هذه الفجوة نفسها إلى مصدر معلومات دقيقة عن الكوكب المسؤول عنها، وهو تطور مهم مقارنة بالأساليب السابقة التي كانت تعتمد على الاستدلال غير المباشر فقط.
- دقة أعلى: تساعد على تقدير كتلة الكوكب المختبئ داخل القرص بشكل أفضل.
- اعتماد واسع: يمكن تطبيقها على أنظمة متعددة دون الحاجة إلى معرفة تفصيلية لكل بيئة نجمية.
- ثبات في النتائج: العلاقة الأساسية بين الكتلة والسطوع تبقى شبه مستقرة عند تغيّر ظروف الرصد.
- فائدة عملية: تتيح دراسة الكواكب التي لا يمكن تصويرها مباشرة بسبب اختفائها داخل المادة الأولية.
تجربة ناجحة في نظام بي دي إس 70
لاختبار مدى نجاح هذه التقنية، طبقها الباحثون على النظام الكوكبي “بي دي إس 70” (PDS 70)، الواقع على بعد نحو 370 سنة ضوئية من الأرض، وهو أحد أهم الأنظمة التي تستخدم لفهم مراحل تشكل الكواكب، ويبلغ عمره نحو 5.4 ملايين سنة فقط، كما ينتمي إلى فئة النجوم الفتية “تي الثور” (T Tauri).
ويمتد القرص الكوكبي الأولي المحيط بهذا النظام لمسافة تقارب 130 وحدة فلكية، أي أكثر من ضعف امتداد حزام كايبر في نظامنا الشمسي، وقد رصدته “مصفوفة تلسكوبات أتاكاما المليمترية ودون المليمترية الكبيرة” المعروفة اختصارا بـ”ألما” (ALMA)، وهي شبكة من 66 هوائيا راديويا في شمال تشيلي.
وقد سبق لفرق علمية، من بينها باحثون من معهد ماكس بلانك، أن صوروا أحد كواكب هذا النظام مباشرة عند الحافة الداخلية للفجوة القرصية، في إنجاز نادر منح العلماء فرصة فريدة لمتابعة كوكب في مرحلة مبكرة من تشكله.
ماذا كشفت الدراسة عن كواكب النظام؟
يحتوي النظام على كوكبين نجميين معروفين، هما PDS 70-b وPDS 70-c، وقد استخدم العلماء التقنية الجديدة لتقدير كتلة الكوكب الثاني، فكانت النتيجة متوافقة مع التقديرات المعروفة سابقا، والتي تشير إلى أن كتلته تبلغ نحو 7.5 أضعاف كتلة كوكب المشتري، وهو تطابق يعزز الثقة في المنهج الجديد.
وتعتمد تسمية الكواكب النجمية على ترتيب اكتشافها حول النجم، إذ يمنح النجم الرمز a، ثم يشير الحرف b إلى أول كوكب مكتشف، وبعده c للكوكب الثاني، ثم d وe وf عند إضافة كواكب أخرى، وهي طريقة تنظيمية شائعة في علم الفلك لتتبع الأنظمة متعددة الكواكب.
ملاحظات مهمة عن هذا التطبيق
- توافق واضح: أظهرت الحسابات تطابقا مع القيم الحالية لكتلة PDS 70-c.
- اختبار واقعي: جرى تطبيق الأسلوب على نظام معروف جيدا ومُرصد بكثافة.
- إمكانية التعميم: النجاح في هذا النظام يشير إلى جدوى استخدام التقنية في أنظمة أخرى.
ماذا تقول الدراسة عن مادة الغبار داخل الحلقات؟
لم تتوقف نتائج البحث عند قياس الكتل فقط، بل كشفت أيضا أن الكواكب الوليدة الضخمة قادرة على احتجاز كميات هائلة من الغبار داخل الحلقات المحيطة بها، وقد تصل هذه الكمية إلى ما يعادل 20 ضعف كتلة الأرض، وهي نتيجة تتوافق مع ما رصده مرصد “ألما” في عدد من الحالات.
لكن هذه النتيجة تفتح بابا علميا جديدا، إذ يطرح الباحثون تساؤلا بحثيا مهما حول سبب عدم رصد كواكب جديدة تتشكل داخل تلك الحلقات، رغم وجود هذه المواد بكميات كبيرة، ويرى الفريق أن هذا التركّز قد يكون بداية لمرحلة جديدة من تكوين الكواكب داخل البنية نفسها.
كيف يفيد هذا الإنجاز علم الفلك مستقبلا؟
يمنح هذا العمل العلماء وسيلة أكثر فاعلية لدراسة الكواكب المختبئة في الأقراص الوليدة، كما يساعد على فهم المراحل الأولى التي سبقت تشكل النظام الشمسي قبل نحو 4.6 مليار سنة، ويقدم إطارا أوسع لتفسير التنوع الكبير في الأنظمة الكوكبية المنتشرة داخل مجرتنا.
وتأتي أهمية هذه النتيجة أيضا من ارتباطها بالتقدم المستمر في قدرات “ألما” وبالمراصد التي ستُبنى مستقبلا، ما يعني أن دراسة الكواكب الفتية قد تصبح أكثر دقة واتساعا خلال السنوات المقبلة، وهو ما يجعل هذه التقنية إضافة قوية إلى أدوات الرصد الحديثة، كما نشر الموقع هذه المتابعة العلمية من خلال بوابة مصر في سياق مواكبة أحدث الاكتشافات الفلكية.
