الشفق القطبي الشمالي لزحل، يكشف العلماء عبر تلسكوب جيمس ويب الفضائي تفاصيل جديدة عن الكوكب العملاق، بعدما تبيّن أن تغيّر معدل دورانه الظاهري لم يكن سببه تسارعًا أو تباطؤًا في الكوكب نفسه، بل رياح شديدة في طبقاته الجوية العليا، وهو ما فتح بابًا جديدًا لفهم العلاقة بين الغلاف الجوي والمجال المغناطيسي.
كيف أعاد جيمس ويب صياغة فهم زحل؟
أظهرت قياسات حديثة أن زحل لا يدور بطريقة ثابتة كما كان يُعتقد سابقًا، بل يبدو أن معدل دورانه يتبدل مع الزمن، وقد ظن الباحثون طويلاً أن السبب يعود إلى تغيرات داخلية في حركة الكوكب، غير أن الرصد الجديد رجّح تفسيرًا مختلفًا يرتبط بما يحدث في أعلى الغلاف الجوي، حيث تلعب الرياح والعناصر الكهربائية دورًا مؤثرًا في هذا الالتباس العلمي.
اعتمد فريق بحثي دولي على بيانات تلسكوب جيمس ويب الفضائي لرصد الشفق القطبي الشمالي لزحل على مدار يوم كامل من أيام الكوكب، وهو ما أتاح لهم متابعة التحولات الجوية بدقة غير مسبوقة، وقد جاء هذا العمل بقيادة البروفيسور توم ستالارد من جامعة نورثمبريا، وبمشاركة باحثين من جامعة بوسطن، وجامعة ليستر، وكلية إمبريال كوليدج لندن، ومختبر الفيزياء التطبيقية بجامعة جونز هوبكنز، ونُشرت النتائج في مجلة أبحاث الجيوفيزياء، فيزياء الفضاء.
ما الذي رصده العلماء في الغلاف الجوي لزحل؟
ركّز الباحثون على الأشعة تحت الحمراء الصادرة من جزيء كاتيون ثلاثي الهيدروجين، وهو جزيء يتكون في الغلاف الجوي العلوي لزحل، ويُعد مؤشرًا طبيعيًا لدرجة الحرارة، ومن خلال تحليل توهجه، تمكن الفريق من رسم خرائط شديدة الدقة لدرجات الحرارة وكثافة الجسيمات المشحونة داخل منطقة الشفق القطبي الشمالي، وهو إنجاز لم تكن الأجهزة السابقة قادرة على تحقيقه بهذه الصورة التفصيلية.
وفي هذا السياق، أبرزت القياسات الجديدة فرقًا واضحًا في مستوى الدقة، إذ كانت القياسات السابقة تحمل هامش خطأ يقارب 50 درجة مئوية، مما كان يحد من القدرة على تتبع التغيرات الدقيقة، أما رصد جيمس ويب فكان أكثر دقة بعشر مرات تقريبًا، الأمر الذي مكّن العلماء من ملاحظة أنماط التسخين والتبريد المحلية لأول مرة، وتتبّع أثر الشفق على الغلاف الجوي بشكل أوضح.
لماذا يبدو زحل وكأنه يسرع أو يتباطأ؟
خلصت الدراسة إلى أن الشفق القطبي لا يقتصر على إنتاج مشهد ضوئي مذهل، بل يضخ طاقة تسخّن مناطق محددة من الغلاف الجوي، وهذا التسخين يولد رياحًا قوية، ثم تؤدي هذه الرياح إلى إنشاء تيارات كهربائية، وتعود هذه التيارات لتغذية الشفق من جديد، فتتشكل دورة متواصلة تجعل زحل يبدو وكأنه يدور بسرعات مختلفة تبعًا لطريقة القياس.
وأكد البروفيسور توم ستالارد أن ما يحدث يشبه مضخة حرارية كوكبية، تعمل على تغذية نفسها بنفسها، وهو توصيف يوضح كيف يمكن لظاهرة جوية ومغناطيسية معقدة أن تؤثر في القراءة العلمية لمعدل دوران الكوكب، من دون أن يعني ذلك بالضرورة حدوث تغير حقيقي في سرعة جسم زحل ذاته.
ما أهمية العلاقة بين الغلاف الجوي والمجال المغناطيسي؟
تجاوزت أهمية النتائج حدود كوكب زحل، إذ وجد الباحثون دلائل على ترابط وثيق بين الغلاف الجوي والمجال المغناطيسي، حيث يبدو أن النشاط الجوي يؤثر في ظروف المجال المغناطيسي، بينما يزوّد المجال المغناطيسي الغلاف الجوي بالطاقة، وهذا التبادل المستمر قد يفسر استمرار العملية لفترات طويلة دون اضطراب كبير.
- التسخين الشفقي: يرفع حرارة مناطق محددة في الغلاف الجوي العلوي لزحل.
- توليد الرياح: يؤدي التسخين إلى تحرك الهواء بقوة أكبر في تلك الطبقات.
- نشوء التيارات الكهربائية: تنتج عن حركة الرياح في البيئة العليا للكوكب.
- تغذية الشفق من جديد: تعود التيارات لتدعم الشفق القطبي وتبقيه نشطًا.
هل يمكن أن تتكرر هذه الظاهرة على كواكب أخرى؟
يرى الباحثون أن ما تم التوصل إليه قد لا يقتصر على زحل وحده، فالتفاعلات بين الغلاف الجوي والمجال المغناطيسي قد تحدث على كواكب أخرى أيضًا، ما يفتح المجال أمام دراسات أوسع لفهم كيفية عمل الكواكب الغازية والأنظمة الجوية المعقدة، كما يمنح العلماء أداة جديدة لتفسير ما يرصدونه من تغيرات ظاهرية في حركة الكواكب.
ويُذكر أن تلسكوب جيمس ويب الفضائي يُعد من أبرز المراصد العلمية في العالم، وقد صُمم لدراسة الأجرام السماوية داخل النظام الشمسي، واستكشاف الكواكب حول النجوم البعيدة، وتتبع أصول الكون وتطوره، ومع هذا الاكتشاف الجديد يواصل تقديم بيانات تغير فهمنا للفضاء، وتؤكد بوابة مصر أن هذه النتائج تضيف فصلًا مهمًا إلى المعرفة الحديثة بكوكب زحل.
