الحطام الفضائي، بات واحداً من أخطر التحديات التي تواجه المدار الأرضي المنخفض، مع تزايد عدد الأجسام المتتبعة وارتفاع سرعة دورانها حول الكوكب، وهو ما يضاعف احتمالات الاصطدام ويجعل أي خطأ بسيطاً قادراً على إنتاج شظايا جديدة، وفق تحذيرات حديثة صدرت عن باحثين في جامعة باث البريطانية.
أرقام تكشف حجم الأزمة
تشير البيانات التي استند إليها الباحثون إلى أن مدار الأرض لم يعد مساحة شبه فارغة كما كان يُتصور سابقاً، بل أصبح مكتظاً بأجسام مختلفة الأحجام، بعضها يعمل كأقمار صناعية وبعضها الآخر مجرد بقايا ومخلفات لعمليات سابقة في الفضاء، وتتحرك هذه الأجسام بسرعات بالغة الارتفاع تجعل أثرها التدميري كبيراً حتى لو كانت صغيرة الحجم.
وبحسب شبكة مراقبة الفضاء الأمريكية و«سبيس تراك»، يوجد أكثر من 33 ألف جسم متتبع يدور حول الأرض، وتصل سرعته إلى نحو 28 ألف كيلومتر في الساعة، كما تُقدَّر الكمية الإجمالية للمواد الموجودة في المدار بنحو 15,800 طن، وهو ما يعادل كتلة ضخمة موزعة على شظايا وأجزاء كثيرة تتحرك جميعها في بيئة عالية الخطورة.
كيف يقرأ الباحثون الوضع الحالي؟
ترى المهندسة إميلي ساكي، من فريق الصواريخ بجامعة باث والباحثة الرئيسية في الدراسة، أن المشكلة لم تعد مرتبطة بعدد عمليات الإطلاق وحده، بل باتت مرتبطة أيضاً بحجم الكثافة المدارية وسرعة الحركة في الفضاء، إذ إن هذه العوامل تجعل الاصطدامات أكثر احتمالاً وأشد أثراً، حتى عندما تكون الأجسام المتصادمة صغيرة نسبياً.
وتوضح ساكي أن ما يقرب من نصف الأجسام التي تتم متابعتها في المدار يصنف بالفعل على أنه حطام، وتشير البيانات التي عرضتها إلى أن من بين 33269 جسماً يتم تعقبها، هناك 12550 شظية حطام، مقابل 17682 جسماً تُعد حمولات أو أقماراً صناعية، وهو توزيع يعكس مدى الازدحام المتصاعد في المدار الأرضي المنخفض.
لماذا يزداد الخطر مع الوقت؟
المقلق في هذا الملف، وفق الدراسة، أن الأزمة قد لا تتوقف حتى لو توقفت عمليات الإطلاق الجديدة بالكامل، لأن الحطام الموجود بالفعل يمكن أن يستمر في الزيادة بفعل التصادمات والتفتت الطبيعي لبعض الأجسام، كما أن عودة المواد الفضائية إلى الغلاف الجوي قد لا تكون كافية لتعويض ما يتولد من شظايا جديدة بسرعة أكبر.
ويحذر الباحثون من أن هذا المسار قد يقود إلى ما يعرف بمتلازمة كيسلر، وهي حالة تصبح فيها الاصطدامات المتسلسلة مصدراً دائماً لمزيد من الحطام، ما يرفع احتمالات الحوادث المستقبلية، ويجعل الحفاظ على سلامة المركبات الفضائية والأقمار الصناعية والمحطات العاملة في المدار الأرضي المنخفض أكثر صعوبة مع مرور الوقت.
ما الذي يجعل الإزالة صعبة ومكلفة؟
رغم خطورة الوضع، لا تزال فكرة إزالة الحطام الفضائي على نطاق واسع تواجه عقبات كبيرة، فالتعامل مع أجسام تتحرك بهذه السرعات العالية يحتاج إلى تقنيات دقيقة جداً، وقدرة على الرصد والمناورة والالتقاط في بيئة معقدة ومليئة بالمخاطر، كما أن التنفيذ الواسع لهذه العمليات يتطلب موارد مالية ضخمة.
ويؤكد الخبراء أن المشكلة لا تتعلق فقط بوجود الحطام، بل بوجوده في بيئة مكتظة ومتحركة باستمرار، الأمر الذي يجعل أي مهمة تنظيف فضائي عملية شديدة التعقيد من الناحية الهندسية والاقتصادية، ولهذا يظل الحد من تفاقم الأزمة هدفاً أكثر واقعية في المدى القريب من محاولة التخلص الكامل منها.
ما الذي تعنيه هذه التحذيرات للقطاع الفضائي؟
تنعكس هذه التطورات على مستقبل تشغيل الأقمار الصناعية، وعلى سلامة البعثات الفضائية التي تعتمد على المدار الأرضي المنخفض، إذ إن أي زيادة إضافية في الحطام قد تعني ارتفاع تكاليف الحماية والتشغيل والتأمين، إلى جانب الحاجة المتزايدة لمراقبة المسارات المدارية وتفادي مناطق الخطر.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو الرسالة الأساسية التي نقلها الباحثون واضحة، وهي أن المدار الأرضي لم يعد يحتمل مزيداً من التراكم غير المنضبط، وأن استمرار الوضع الحالي قد يفرض تحديات أكبر على الصناعة الفضائية العالمية، وهو ما يضع ملف الحطام ضمن الأولويات التي لا يمكن تجاهلها، كما تتابع بوابة مصر هذا الملف بوصفه من القضايا العلمية والبيئية الأكثر حساسية في المرحلة الراهنة.
