الثقوب السوداء، تعيد أحدث مشاهدات تلسكوب جيمس ويب فتح واحد من أكثر الأسئلة إثارة في علم الكون، بعدما أشارت بيانات جديدة إلى أن الثقوب السوداء فائقة الضخامة ربما ظهرت قبل المجرات التي احتضنتها، لا بعدها، وهو ما يبدل كثيراً من التصورات القديمة حول كيفية تشكل البنى الكبرى في الكون المبكر.
رصد غيّر صورة الكون المبكر
في عام 2022، التقط تلسكوب جيمس ويب أجساماً غامضة بدت مختلفة عن المعتاد، وأطلق عليها العلماء اسم «النقاط الحمراء الصغيرة»، وكانت هذه الأجسام منتشرة بكثافة في الكون الفتي، ثم اختفت بصورة مفاجئة بعد نحو مليار ونصف المليار سنة من الانفجار العظيم، وهو ما جعلها محوراً لعدد كبير من الدراسات اللاحقة.
ومع استمرار التحليل، ظهرت مؤشرات أكثر غرابة، إذ رصد التلسكوب أعداداً كبيرة من الثقوب السوداء فائقة الضخامة في زمن لم يكن عمر الكون فيه يتجاوز مليار سنة، وهذا الزمن القصير لا ينسجم بسهولة مع الفرضيات التقليدية التي تفترض أن تكبير الثقب الأسود إلى هذا الحجم يحتاج إلى وقت أطول بكثير عبر الالتهام والاندماجات المتتابعة.
لماذا أثار هذا الاكتشاف الجدل؟
تقول النظريات الفلكية المعروفة إن نمو ثقب أسود بهذا الحجم الهائل يتطلب أكثر من مليار سنة، لكن ما رصده جيمس ويب دفع الباحثين إلى إعادة النظر في هذا التصور، لأن وجود هذه الأجسام في مرحلة مبكرة جداً من عمر الكون يوحي بأن مسار التكوين ربما كان مختلفاً عما اعتُقد لعقود.
وفي هذا السياق، ركز فريق بحثي بقيادة جامعة كامبريدج على دراسة نقطة حمراء صغيرة واحدة، كانت موجودة بعد 700 مليون سنة من الانفجار العظيم، وخلصت النتائج إلى أن مركزها يضم ثقباً أسوداً يهيمن على البنية الكلية بشكل لافت.
ما الذي أظهرته دراسة QSO1؟
أحد أبرز ما كشفته الدراسة أن الثقب الأسود في مركز QSO1 يشكل وحده نحو 66% من إجمالي كتلة المجرة، وهي نسبة استثنائية تتجاوز بمراحل بعيدة ما هو مسجل في أي مجرة قريبة منا اليوم، الأمر الذي جعل هذا الجسم هدفاً أساسياً للنقاش العلمي حول ترتيب تشكل المجرات والثقوب السوداء.
ويذهب البروفيسور روبرتو مايولينو من جامعة كامبريدج إلى أن هذه النسبة القوية تدعم فكرة أن الثقب الأسود ولد «كبيراً» منذ البداية، ثم تجمعت المادة لتشكيل المجرة حوله لاحقاً، وليس العكس كما كان شائعاً في التفسيرات السابقة.
كيف يغيّر هذا الفهم العلمي للمجرات؟
تكمن أهمية هذه النتائج في أنها لا تتعلق بجسم واحد فقط، بل بمرحلة كاملة من تاريخ الكون، فإذا كانت الثقوب السوداء فائقة الضخامة قد ظهرت مبكراً جداً، فهذا يعني أن النموذج التقليدي لتشكل المجرات قد يحتاج إلى مراجعة، لأن دور الثقب الأسود قد يكون أكثر مركزية وأسبق مما كان يُعتقد.
كما أن اختفاء «النقاط الحمراء الصغيرة» بعد فترة محددة من عمر الكون يضيف طبقة أخرى من الغموض، إذ يبدو أن هذه الأجسام كانت مرتبطة بمرحلة انتقالية قصيرة في التاريخ الكوني، ما يجعلها نافذة مهمة لفهم العلاقة بين المادة، والجاذبية، ونشوء المجرات الأولى.
ما أبرز ما يمكن استخلاصه من هذه الرصدات؟
توضح المعطيات الحالية أن جيمس ويب لا يكتفي بتوسيع حدود الرؤية إلى الماضي البعيد، بل يفرض أيضاً على العلماء إعادة صياغة بعض الأفكار الأساسية حول نشأة الكون، وفيما يلي أهم ما تبيّنه هذه النتائج.
- رصد مبكر: ظهور «النقاط الحمراء الصغيرة» في الكون الفتي بكثافة واضحة.
- اختفاء لاحق: تراجع هذه الأجسام بعد نحو مليار ونصف المليار سنة من الانفجار العظيم.
- زمن قصير جداً: وجود ثقوب سوداء فائقة الضخامة عندما كان عمر الكون أقل من مليار سنة.
- نسبة غير مسبوقة: وصول كتلة الثقب الأسود في QSO1 إلى 66% من إجمالي كتلة المجرة.
- استنتاج جديد: احتمال أن الثقب الأسود تشكل أولاً، ثم نشأت المجرة حوله لاحقاً.
ما الذي ينتظر هذا الملف العلمي؟
لا تزال هذه النتائج بحاجة إلى مزيد من التدقيق والمقارنة مع رصدات أخرى، لكن المؤكد أن ما كشفه تلسكوب جيمس ويب فتح باباً واسعاً أمام تفسير جديد لنشأة أضخم الأجسام في الكون، وهو تفسير قد يعيد ترتيب العلاقة بين المجرات والثقوب السوداء في المراحل الأولى من التاريخ الكوني، وفق ما تداولته تقارير علمية نقلتها أيضاً بوابة مصر.
