جوجل AI، أثارت ميزة البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي جدلاً جديداً بعد أن بدأت تقدم إجابات غريبة عن أبسط الأسئلة اللغوية، مثل عدد الحروف داخل الكلمات الشائعة، وهو ما أعاد النقاش حول حدود نماذج اللغة الكبيرة، ومدى قدرتها على التعامل مع التهجئة بدقة داخل نتائج البحث الحديثة.
أخطاء لغوية تضع الميزة تحت الاختبار
في الفترة الأخيرة، ظهرت أمثلة لافتة من مراجعات الذكاء الاصطناعي في بحث جوجل، إذ قدّمت إجابات غير منطقية عن عدد بعض الحروف داخل كلمات معروفة، من بينها كلمة “poop”، وكلمة “صحافة”، وكذلك اسم الرئيس الأمريكي المكتوب على نحو مضطرب، وهذه النتائج جعلت المستخدمين يلاحظون أن المشكلة لا تتعلق فقط بالمعلومة، بل بطريقة معالجة النص نفسه.
وجاء رد جوجل عبر بيان أرسل إلى TechCrunch، حيث أوضحت الشركة أن عدّ الكلمات يمثل تحدياً معروفاً لدى نماذج اللغة الكبيرة، وأنها تعمل على معالجة هذه المشكلة المحددة، ومع ذلك فإن تكرار الأخطاء في مواقف بسيطة يثير تساؤلات واسعة حول مدى جاهزية هذه التقنية للاعتماد عليها في البحث العام.
لماذا تفشل نماذج الذكاء الاصطناعي في العد والتهجئة؟
تبدو هذه الأخطاء مألوفة للمهتمين بالذكاء الاصطناعي، لأن نماذج اللغة الكبيرة ليست مصممة في الأساس لفهم الكلمات كما يفعل البشر، بل تعتمد على بنية المحولات التي تحلل النص إلى رموز مميزة، وقد تكون هذه الرموز كلمة كاملة أو مقطعاً لفظياً أو حتى حرفاً، بحسب النموذج المستخدم، ثم تُحوَّل لاحقاً إلى تمثيلات رقمية تساعد النظام على تكوين الإجابة.
وبحسب ماثيو جوزديال، الباحث في الذكاء الاصطناعي والأستاذ المساعد في جامعة ألبرتا، فإن توطين هذه النماذج يعتمد على بنية المحولات، وهي لا تتعامل مع القراءة بمعناها البشري المباشر، بل تترجم الموجه إلى ترميز، وهذا يعني أن النموذج قد يفهم الرمز المرتبط بكلمة كاملة، لكنه لا يملك بالضرورة تصوراً تفصيلياً عن كل حرف داخلها.
كما أشار شيريدان فيوتشت، طالب الدكتوراه في جامعة نورث إيسترن المتخصص في قابلية تفسير نماذج اللغة الكبيرة، إلى أن تعريف “الكلمة” نفسه ليس ثابتاً داخل هذه الأنظمة، وأن أي محاولة للوصول إلى رمز مميز مثالي ستظل محل خلاف، لأن النماذج قد تجد فائدة في تقسيم النص إلى أجزاء أصغر من المتوقع.
كيف حاولت جوجل معالجة المشكلة؟
لم تقتصر الإشكالات على التهجئة فقط، إذ قامت جوجل بالفعل بتصحيح مشكلة سابقة ظهرت الأسبوع الماضي، وكانت تحدث عند البحث عن كلمة “تجاهل”، حيث كانت الميزة تعرض ما يشبه تعريفاً قاموسياً، مع عبارة تقول “أفهم، اسمحوا لي أن أعرف كلما ظهرت مطالبة أو سؤال جديد!”، وهو ما كشف أن التوليد اللغوي قد ينزلق أحياناً إلى إجابات غير مناسبة للسياق.
وتعكس هذه التصحيحات المتتابعة أن الشركة تتعامل مع مراجعات الذكاء الاصطناعي باعتبارها جزءاً محورياً من تجربة البحث، لكنها في الوقت نفسه تواجه صعوبة في ضبطها بالكامل، خاصة عندما يتعلق الأمر بأسئلة تبدو بسيطة جداً للبشر، لكنها معقدة من زاوية تمثيل النص داخل النماذج.
ما دلالة هذه الأخطاء على مستقبل البحث بالذكاء الاصطناعي؟
توضح هذه الحالات أن قوة الذكاء الاصطناعي لا تعني بالضرورة الكمال، فالنماذج قد تتفوق في البرمجة أو الاستدلال أو تلخيص المعلومات، لكنها تظل عرضة للارتباك أمام مسائل لغوية أولية، وهذه الفجوة بين الأداء المذهل والضعف في التفاصيل تذكّر المستخدمين بضرورة التحقق من النتائج قبل الاعتماد عليها.
كما أن اعتماد جوجل المتزايد على الذكاء الاصطناعي التوليدي في منتجها الأهم، البالغ من العمر 29 عاماً، يجعل أي خطأ صغيراً أكثر وضوحاً وتأثيراً، لأن المستخدم يتوقع من محرك البحث أن يكون دقيقاً في كل مستوى، من التعريفات إلى العدّ والتهجئة، ولذلك تتحول هذه الهفوات إلى مادة للنقاش حول موثوقية البحث المعزز بالذكاء الاصطناعي.
أبرز ما تكشفه هذه التجربة
تساعد الوقائع الأخيرة على فهم طبيعة هذه النماذج بصورة أدق، ويمكن تلخيص أبرز النقاط في الآتي:
- الذكاء الاصطناعي لا يقرأ النص كما يقرأه الإنسان: بل يحلله إلى رموز وتمثيلات رقمية.
- الأخطاء البسيطة قد تظهر في الكلمات الشائعة: حتى في الأسئلة التي تبدو سهلة للغاية.
- التصحيحات السريعة لا تلغي المشكلة من جذورها: لكنها تقلل من آثارها الظاهرة على المستخدمين.
- التحقق البشري يظل ضرورياً: لأن نتائج الذكاء الاصطناعي قد تبدو واثقة رغم خطئها.
كيف ينظر الباحثون إلى حدود هذه التقنية؟
يرى المتخصصون أن هذه الأخطاء ليست سبباً كافياً للتشكيك في كل استخدامات الذكاء الاصطناعي، لكنها تبرز حدوداً تقنية لا يمكن تجاهلها، خصوصاً في التطبيقات العامة التي تصل إلى ملايين المستخدمين، فالمشكلة هنا ليست في مبدأ الذكاء الاصطناعي نفسه، بل في التوقعات العالية التي قد تمنحه أكثر مما يحتمل.
وفي ضوء ذلك، تصبح مراجعات الذكاء الاصطناعي في بحث جوجل مثالاً مهماً على الفجوة بين الوعود التسويقية والقدرة الفعلية، وهو ما يفسر استمرار الجدل حولها، خاصة مع كل خطأ جديد يثبت أن هذه الأنظمة ما زالت بحاجة إلى تدقيق ومراجعة مستمرة قبل أن تُعامل كمصدر نهائي للمعلومة.
وبينما تواصل جوجل تحسين هذه التجربة، يبقى المستخدم في حاجة إلى التعامل بحذر مع النتائج المعروضة، خصوصاً في المسائل التي تتطلب دقة حرفية أو تفسيراً لغوياً حساساً، وفي تغطيات بوابة مصر تبرز هذه الحادثة بوصفها مثالاً واضحاً على أن الذكاء الاصطناعي، مهما بدا متقدماً، ما زال يحتاج إلى رقابة وفهم بشريين.
