رؤية 2030.. كيف تواجه مشاريع السعودية العملاقة تحديات الواقع؟

رؤية 2030.. كيف تواجه مشاريع السعودية العملاقة تحديات الواقع؟
محرر الخبر علياء الهاجري
حجم الخط

رؤية 2030، تشهد السعودية اليوم مرحلة مراجعة واضحة لطريقة تنفيذ مشروعاتها الكبرى، بعدما تراجعت بعض الطموحات الضخمة التي ارتبطت بخطط التحول الاقتصادي والاجتماعي، وبات التركيز أكثر على الجدوى، والإنجاز التدريجي، وضبط الإنفاق، مع الإبقاء على الهدف الأساسي المتمثل في تقليل الاعتماد على النفط.

من الطموح الكبير إلى إعادة الحسابات

عندما طرحت الرياض رؤيتها المستقبلية قبل نحو عقد، بدت الصورة وكأنها انتقال سريع إلى نموذج مختلف بالكامل، يعتمد على مدن جديدة، ومشروعات عملاقة، وتغييرات اقتصادية واسعة، لكن التطورات الأخيرة أظهرت أن بعض هذه الوعود أصبح أثقل من أن يستمر بالشكل نفسه، سواء بسبب الكلفة أو بسبب صعوبة التنفيذ أو تراجع التدفقات الاستثمارية المتوقعة.

وتشير المعطيات إلى أن مشاريع بارزة مثل نيوم، التي قدرت كلفتها بنحو 500 مليار دولار، لم تعد تُدار بالزخم نفسه، فمشروعات مثل ذا لاين، التي صوّرت بوصفها مدينة ممتدة على خط مستقيم بطول أكثر من 100 ميل، أي 161 كيلومتراً، باتت أقرب إلى نسخة أصغر وأكثر واقعية مما رُوج له في البداية.

ما المشاريع التي تقلصت أو أُعيد النظر فيها؟

شهدت السعودية خلال الفترة الأخيرة سلسلة من التعديلات على مشاريع كانت تُعد رموزاً للمرحلة الجديدة، وبعضها جرى تقليصه، وبعضها أُوقف، وبعضها أُلغي بالكامل، وفيما يلي أبرز هذه التحولات.

  • ذا لاين: جرى تقليصه كثيراً مقارنة بالتصور الأصلي، بعدما كان يقدم باعتباره إعادة تعريف للمدينة الحديثة.
  • تروجينا: تقلص حجم المشروع الشتوي في جبال شمال غربي المملكة، بعدما بدا أن فكرة منتجع يعمل طوال العام ليست قابلة للاستمرار بالصيغة الأولى.
  • المكعب: تم التخلي عنه بالكامل، رغم أنه كان مشروعاً ضخماً قيل إنه يستطيع استيعاب مبنى إمباير ستيت الأمريكي عشرين مرة.
  • ليف غولف: أعيد تقييمه باعتباره مشروعاً مرتفع الكلفة، وصلت فاتورته حتى الآن إلى نحو خمسة مليارات دولار من دون عائد مالي واضح.

وفي حالة تروجينا، كانت الخطة تتضمن منحدرات تزلج تمتد أميالاً، وقرية شتوية متكاملة تضم بحيرة اصطناعية وفنادق ومتاجر فاخرة، كما كان من المقرر أن تستضيف المنطقة دورة الألعاب الآسيوية الشتوية عام 2029، لكن ذلك تغير بعد نقل الألعاب إلى كازاخستان.

هل هذه المراجعة جديدة أم امتداد لنمط قديم؟

يرى عدد من المتابعين أن ما يحدث اليوم ليس استثناءً، بل تكرار لنمط عرفته المملكة في مراحل سابقة، إذ تُطلق مشاريع ضخمة بوعود كبيرة، ثم يتم تقليصها لاحقاً أو إعادة صياغتها أو إلغاؤها، وتقول الكاتبة إلين آر والد، مؤلفة كتاب سعودي. إنك، إن الفكرة نفسها تتكرر، وأن هذا المسار سبق ظهور محمد بن سلمان نفسه.

وتستعيد والد تجربة المدن الاقتصادية التي أُطلقت في العقد الأول من الألفية في عهد الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز، والتي هدفت أيضاً إلى تنويع الاقتصاد وجذب الاستثمارات، لكن النتائج جاءت محدودة، رغم إنفاق مليارات الدولارات، فلم يُنفذ بعضها، وأعيد تصور بعضها الآخر، بينما بقيت مدينة الملك عبد الله الاقتصادية، البالغة كلفتها 100 مليار دولار، أقل بكثير من التوقعات التي وُضعت لها.

كيف تغيّرت رؤية 2030 داخلياً؟

لا يقتصر التحول الحالي على المشروعات وحدها، بل يشمل أيضاً طريقة التفكير في الأولويات، إذ باتت السلطات السعودية تميل إلى التدرج، وتقليل المخاطر، والحديث عن إنجازات أصغر يمكن قياسها وتقديمها للجمهور وللمستثمرين، بدلاً من القفز إلى مشاريع هائلة يصعب تمويلها أو تسويقها.

  • التراجع عن الطموحات المبالغ فيها: لأن بعض المشروعات لم تعد قابلة للتنفيذ بالصيغة الأولى.
  • التركيز على التنفيذ: لأن الأولوية أصبحت للإنجاز العملي أكثر من العناوين الكبيرة.
  • رفع كفاءة الإنفاق: كما أعلن ياسر الرميان ضمن خطة خمسية جديدة لصندوق الاستثمارات العامة.
  • البحث عن مكاسب صغيرة: مثل تقديم مشاريع محددة بوصفها نجاحات ملموسة ضمن الإطار العام للرؤية.

وفي هذا السياق، يبرز مشروع سندالة على إحدى جزر البحر الأحمر باعتباره مثالاً على هذا النهج، فهو مشروع يمكن تقديمه كإنجاز سياحي محدود ومفهوم، بدلاً من ربطه بالتصورات العملاقة التي أحاطت بمشاريع أخرى مثل ذا لاين والمكعب.

ما أثر السياسة والسمعة على الاستثمار؟

يرى معارضون ومحللون أن العقبات أمام رؤية 2030 ليست مالية فقط، بل سياسية أيضاً، فمشهد الاعتقالات في فندق ريتز كارلتون عام 2017، والقتل الوحشي للصحفي جمال خاشقجي عام 2018، تركا أثراً عميقاً في صورة المملكة، وأثرا في ثقة المستثمرين على المدى الطويل.

ويقول عبد الله العودة إن مثل هذه الوقائع أرسلت رسالة سلبية إلى من يفكر في دخول السوق السعودية، لأن المستثمر يحتاج إلى وضوح القواعد واستقرارها، لا إلى مناخ يمكن أن ينتقل فيه من موقع المستثمر إلى موقع المحتجز التعسفي، كما يصف.

أمثلة على التغييرات الاجتماعية

رغم الجدل السياسي والحقوقي، لا يمكن إنكار أن السعودية شهدت تغيرات اجتماعية لافتة منذ 2016، فقد بدأت الفعاليات الرياضية والترفيهية الكبرى تصل إلى المملكة، وتغيرت حياة المدن، كما أصبح السماح للنساء بقيادة السيارة علامة واضحة على التحول الذي أصاب المجتمع في سنوات قليلة.

ومع ذلك، فإن هذه الصورة الجديدة رافقها أيضاً اتهام متزايد بما يُعرف بالغسيل الرياضي، والغسيل الفني، والغسيل الأخضر، خصوصاً مع دخول السعودية مجالات متعددة دفعة واحدة، من الرياضة إلى الترفيه إلى الثقافة والسياحة.

هل ما زالت رؤية 2030 قادرة على الاستمرار؟

ما تزال القيادة السعودية تعرض الرؤية بوصفها قصة نجاح، حتى لو تغير حجمها، وتبدو الرسالة الجديدة أقرب إلى الواقعية منها إلى الوعود الواسعة، فالمشاريع التي يجري العمل عليها اليوم تشمل الدرعية، والقدية، وتطوير العلا، وهي مشاريع يرى كثيرون أنها أكثر قابلية للتنفيذ من التصورات الفائقة الطموح.

وتأتي العلا مثالاً واضحاً على هذا الاتجاه، إذ رُصدت لها مليارات الدولارات لتتحول إلى وجهة ثقافية وسياحية عالمية، مستفيدة من آثارها النبطية وموقعها التاريخي، وهو مسار يبدو أقرب إلى النجاح من مشاريع أكثر خيالاً.

كما نجحت السعودية في الفوز باستضافة كأس العالم لكرة القدم عام 2034، وهو إنجاز كبير يعزز موقعها الرياضي، حتى لو جرى تقليص بعض التصاميم والأفكار للحفاظ على التوازن المالي. وفي النهاية، تبدو رؤية 2030 اليوم أقل احتفالاً بالشعارات وأكثر ميلاً إلى البراغماتية، وهو ما تحاول بوابة مصر متابعته باعتباره أحد أهم التحولات العربية في الوقت الراهن.

تاريخ آخر تحديث للخبر
تابع الآن أهم الأخبار عبر Google News
متابعة
علياء الهاجري

علياء الهاجري محرر الخبر

علياء الهاجري - كاتبة محتوى ذات خبرة عملية في كتابة وصياغة الخبر الصحفي تتخطى السع سنوات، حصلت على بكالوريوس الإعلام - جامعة القاهرة عام 2009 ، وها أنا حالياً متابعة جيدة لأخبار الوطن العربي، ومُتحدثة لبقة، سعودية المنشأ، سعودية الطباع، سعودية ككل، إنتمائي لوطني الأخضر يفوق الحدود.