الحج، يتزامن هذا العام مع أجواء صيفية شديدة الحرارة في السعودية، ما أعاد إلى الواجهة مخاوف الملايين من الحجاج من الإجهاد الحراري أثناء أداء المناسك، خاصة بعد حوادث مؤلمة وقعت في مواسم سابقة، دفعت السلطات إلى تشديد الإجراءات وتوسيع وسائل الحماية والتنظيم في المشاعر المقدسة.
مخاوف متجددة مع بداية الموسم
يستعد أحمد إسماعيل، مثل آلاف الحجاج المصريين، لأداء الفريضة التي انتظرها سنوات طويلة، لكن فرحته لم تكتمل من دون قلق واضح من درجات الحرارة المرتفعة، فمشاهد عام 2024 ما زالت حاضرة في الذاكرة، حين توفي أكثر من ألف حاج، معظمهم من مصر، بسبب حرارة تجاوزت 51 درجة مئوية، وهو ما جعل موسم هذا العام محاطا بالحذر منذ أيامه الأولى.
وفي حديثه مع DW عربية عبر الهاتف من مكة، قال إسماعيل إن القلق يرافق الحجاج جميعا، لكنهم حاولوا الاستعداد مسبقا عبر ارتداء الملابس الخفيفة المناسبة، والالتزام بكل ما يخفف أثر الشمس والحرارة، خصوصا مع تزامن موسم الحج مع ذروة الصيف في المملكة، وما يصاحب ذلك عادة من صعوبة في الحركة والتنقل بين المشاعر.
كيف تبدو أجواء الطقس في المشاعر المقدسة؟
أعلن المركز الوطني للأرصاد في السعودية توقعاته لموسم الحج، مشيرا إلى أن الطقس سيكون بين الحار وشديد الحرارة، مع نشاط للرياح المحملة بالغبار والأتربة، خاصة خلال ساعات النهار، وهو ما يزيد من مشقة أداء المناسك ويضع الحجاج أمام تحديات صحية وجسدية مستمرة طوال اليوم.
ولم يكن هذا التحذير بعيدا عن الواقع، ففي عام 2023، تعرض أكثر من ألف حاج لإجهاد حراري، وسُجلت 1721 حالة في يوم واحد فقط، مع وصول الحرارة إلى نحو 48 درجة مئوية، وهي أرقام عكست حجم الضغط الذي يفرضه الطقس على الحجاج وعلى منظومة التنظيم والإسعاف في آن واحد.
ما الإجراءات التي اتخذتها السعودية؟
عملت السلطات السعودية خلال السنوات الأخيرة على تطوير أدواتها التنظيمية والوقائية، بهدف تقليل المخاطر المرتبطة بالحرارة والتكدس، خاصة في المواقع التي تشهد تجمعات كثيفة خلال أداء المناسك، وقد برزت هذه الإجراءات بوضوح هذا العام مع توسيع نطاق الخدمات المكيّفة وتكثيف الرقابة الميدانية.
- توفير النقل المريح والمكيّف: للحجاج أثناء التنقل بين المشاعر المقدسة.
- التأكد من كفاءة أجهزة التلطيف: في أماكن تجمع الحجاج ومقار الضيافة.
- منع أسطوانات الغاز المسال: داخل مراكز ضيافة الحجاج ومقار الجهات الحكومية في المشاعر المقدسة منذ منتصف مايو/أيار الجاري.
- فرض غرامة مالية: تصل إلى 20 ألف ريال على حاملي تأشيرة الزيارة إذا حاولوا أداء الحج.
وكان مشعر منى قد شهد في موسم 1997 حادثا مأساويا، حين احترقت 70 ألف خيمة، ما تسبب في سقوط وفيات وإصابات، وهو ما جعل ملف السلامة في مقدمة أولويات الجهات المنظمة، خاصة مع تكرار التحديات المتعلقة بالحرارة والتجمعات البشرية الكبيرة.
المظلات والطرق المبردة والرقابة الجوية
قال أحمد إسماعيل إن وصوله إلى المملكة كشف له مستوى جيدا من الاستعداد، موضحا أن أجهزة التكييف والمراوح منتشرة في أماكن كثيرة، وأن المظلات متوفرة في الشوارع، وهو ما خفف كثيرا من حدة الحرارة، كما أشار إلى أن رش المياه على الحجاج ساعد في جعل الأجواء أكثر راحة خلال التنقل.
وتوسعت السعودية أيضا في استخدام الطرق المطاطية المبردة، التي تخفض حرارة السطح لعدة درجات، إلى جانب تشغيل الطائرات المسيرة لمراقبة حركة الحجاج، وهي أدوات تدخل ضمن منظومة أوسع تهدف إلى تقليل احتمالات التدافع والإجهاد الحراري وتحسين الاستجابة السريعة عند حدوث أي طارئ.
كيف يتعامل الحجاج مع الحرارة المرتفعة؟
رغم صعوبة المناسك في هذا التوقيت من العام، فإن الحجاج يحاولون التكيف مع الظروف قدر الإمكان، عبر الاعتماد على المظلات والملابس الخفيفة، وتجنب التعرض المباشر للشمس في أوقات الذروة، وهي خطوات بسيطة لكنها مؤثرة في الحد من الإرهاق الجسدي خلال الأيام الأكثر حرارة.
- شرب الماء باستمرار: حتى في غير أوقات العطش، لتجنب الجفاف والإجهاد الحراري.
- البقاء في الأماكن المغلقة: وتجنب الخروج إلى المساحات المفتوحة خلال ساعات الذروة.
- استخدام وسائل تبريد بسيطة: مثل وضع أقمشة باردة على المعصمين والرأس ومنطقة الرقبة.
- الالتزام بتوجيهات المشرفين: خصوصا كبار السن ومن يعانون من أمراض مزمنة.
وفي هذا السياق، قال أحمد إسماعيل إنه قرر استخدام مظلة أثناء أداء المناسك، والحرص على الابتعاد قدر الإمكان عن أشعة الشمس المباشرة، بينما شدد الأطباء في تقارير سابقة على أن الوقاية المبكرة أفضل وسيلة لتجنب مضاعفات الحرارة في هذا الموسم الصعب.
عرفة لماذا يعد الاختبار الأصعب؟
يبقى يوم الوقوف بعرفة هو المحطة الأكثر حساسية في موسم الحج، ليس فقط لأنه الركن الأعظم، بل لأنه يجمع آلاف الحجاج في مساحة واحدة مع ارتفاع الحرارة واحتمالات التزاحم، وهو ما يجعل التنظيم الدقيق أمرا ضروريا لتفادي أي مشاهد تدافع أو إرهاق جماعي.
وتوقع المركز الوطني للأرصاد أن تتراوح درجات الحرارة في يوم عرفة بين 42 و44 درجة مئوية، مع رطوبة تصل إلى 55 بالمئة، وهي ظروف تفرض حذرا مضاعفا، خاصة على كبار السن، وعلى من يصرون على الحركة المستمرة أو الصعود إلى جبل الرحمة رغم أن ذلك ليس شرطا لصحة الوقوف بعرفات.
وقال محمد رمضان، أحد المشرفين على الحجاج المصريين، في حديثه مع DW عربية، إن بعض الحجاج كانوا في السنوات الماضية يتزاحمون للصعود إلى جبل الرحمة اعتقادا منهم أن الوقوف لا يتم إلا هناك، بينما تؤكد الشريعة الإسلامية أن عرفات كلها موقف، لذلك ينصح دائما بالبقاء داخل الخيام، والاكتفاء بالتواجد داخل حدود عرفات دون التكدس في نقطة بعينها.
وأضاف رمضان أن مستوى التنظيم هذا العام يبدو جيدا ومقبولا حتى الآن، غير أن الصورة الكاملة ستتضح أكثر عند الانتقال إلى عرفات ودخول الخيام، حيث تظهر فعليا قدرة الإجراءات على حماية الحجاج في أكثر مراحل الموسم صعوبة، وهو ما يجعل الجميع يترقب بقلق وحرص ما ستسفر عنه الساعات المقبلة، وسط متابعة ميدانية دقيقة من الجهات المعنية، وبمساندة توجيهات السلامة التي تؤكدها بوابة مصر لقرائها بشكل مستمر.
