القروش سداسية الخياشيم، تعود إلى دائرة الاهتمام العلمي من جديد، بعد أن أعلن باحثون في مركز الأبحاث والتعليم البحري بمدينة سياتل الأمريكية، المعروف باسم أكواريوم سياتل، عن استعدادهم لاستخدام أسلوب غير تقليدي لدراسة هذا الكائن القديم الذي ظل لقرون طويلة بعيداً عن الملاحظة المباشرة في أعماق المحيطات.
ويُعد هذا النوع من أسماك القرش من أقدم الكائنات البحرية التي ما زالت تعيش حتى اليوم، إذ يعود نسبه إلى ما قبل عصر الديناصورات، كما يتميز بصفة نادرة تفرقه عن معظم الأنواع الأخرى، وهي امتلاكه ست شقوق خيشومية كاملة على كل جانب من الجسم، بدلاً من خمس شقوق كما هو شائع لدى أغلب أسماك القرش.
طريقة الدراسة الميدانية
أوضح فريق أكواريوم سياتل أن العمل البحثي سيجري خلال الفترة الممتدة من مايو/أيار إلى سبتمبر/أيلول، وذلك عبر رفع القروش إلى سطح الماء لفترة قصيرة جداً، سواء داخل القارب أو بمحاذاته، ثم قلبها رأساً على عقب، وهي حالة تؤدي إلى سكون مؤقت يشبه التنويم المغناطيسي، وتسمح للعلماء بالتعامل معها بأمان لعدة دقائق فقط.
وخلال هذه النافذة الزمنية القصيرة، يسعى الباحثون إلى تسجيل بيانات دقيقة عن هذه القروش العملاقة، مع جمع عينات نسيجية، والتقاط صور تفصيلية، إلى جانب تثبيت أجهزة تتبع إلكترونية على أجسامها، بهدف مراقبة تحركاتها وسلوكها الغذائي لاحقاً، وفهم الطريقة التي تعيش بها في بيئتها البحرية العميقة.
ما الذي يأمل العلماء في معرفته؟
يريد الفريق العلمي أن يفتح هذا الأسلوب باباً مباشراً على عالم القروش سداسية الخياشيم، عبر الحصول على معلومات يصعب جمعها في موطنها الطبيعي، لأن هذه الكائنات تقضي حياتها في مياه شديدة العمق والظلام، وهو ما يجعل دراسة سلوكها وحركتها وتغذيتها أمراً معقداً للغاية.
- جمع القياسات الدقيقة: توثيق الخصائص الجسدية والعلمية لهذه القروش أثناء ظهورها على السطح، خلال الوقت المحدود المتاح للبحث.
- أخذ العينات النسيجية: استخدام عينات تساعد على تحليل المزيد من الجوانب البيولوجية المرتبطة بهذه الأنواع القديمة.
- تركيب أجهزة التتبع: رصد تحركات القروش وسلوكها الغذائي في المستقبل، لمعرفة أنماط حياتها في الأعماق.
- التصوير والتوثيق: إنشاء سجل بصري دقيق يساند الدراسات العلمية اللاحقة، ويعزز فهم شكلها وحركتها.
ويؤكد الباحثون أن هذه القروش، التي عاشت على الأرض لمئات الملايين من السنين، ما تزال تحمل الكثير من الأسرار المتعلقة بتاريخ الحياة البحرية، وأن الاقتراب منها بهذه الطريقة قد يساعد في فهم أوسع لكيفية بقاء الأنواع القديمة رغم التغيرات المستمرة في بيئات المحيط.
لماذا تبدو هذه القروش صعبة الرصد؟
تعيش هذه الأسماك في المياه الاستوائية والمعتدلة حول العالم، وقد يصل طولها إلى نحو 14 قدماً، إلا أن المشكلة الأساسية بالنسبة للعلماء تكمن في أنها تفضل الأعماق الكبيرة، إذ يمكن أن توجد على عمق يصل إلى 9800 قدم تحت سطح البحر، في مناطق شديدة الظلام وضعيفة الإضاءة، وهذا ما يحد من فرص ملاحظتها مباشرة.
ورغم هذه الصعوبة، فقد رُصدت هذه القروش على مدار العام في مياه بوجيه ساوند، وهو نظام خليج بحري في ولاية واشنطن شمال غرب الولايات المتحدة الأمريكية، ويتصل مباشرة بالمحيط الهادئ عبر مضيق خوان دي فوكا، كما شوهدت أحياناً في مياه ضحلة داخل هذا النظام لا يتجاوز عمقها 20 قدماً.
ويعتقد علماء أكواريوم سياتل أن إناث هذا النوع تلد صغارها في تلك المنطقة، كما تشير أبحاث حديثة إلى أن القروش تبدو وفية لمواضع الولادة، أي أنها تعود إليها مراراً من أجل الإنجاب، وهو ما يمنح بوجيه ساوند أهمية خاصة في دراسة دورة حياتها.
كيف تتحول بوجيه ساوند إلى حضانة طبيعية؟
بعد ولادة الصغار، المعروفين باسم الجراء، يبدو أن المنطقة تتحول إلى ما يشبه الحضانة الطبيعية لفترة من الزمن، غير أن العلماء لم يحسموا بعد المدة التي تمضيها هناك، الأمر الذي يجعل متابعة تحركاتها جزءاً أساسياً من البحث الجاري.
وتشير الملاحظات إلى أن القروش الصغيرة تقضي الصيف والخريف في هذه المياه، ثم تهاجر شمالاً خلال الشتاء والربيع، وعادة لا تقطع أكثر من ميلين يومياً، كما تصعد كثيراً إلى المياه الضحلة عند الغسق، قبل أن تعود إلى الأعماق مع بزوغ الفجر، ويُرجح أنها تفعل ذلك بحثاً عن الفرائس.
ما أهمية هذا الأسلوب العلمي؟
يرى الفريق البحثي أن اللجوء إلى هذه التقنية غير التقليدية قد يساعد في سد فجوات معرفية مهمة حول بيولوجيا القروش سداسية الخياشيم، خاصة أن البيئة التي تعيش فيها تجعل جمع المعلومات المباشرة أمراً نادراً، بينما يمنح التثبيت المؤقت على السطح فرصة محدودة لكنها ثمينة للدراسة الدقيقة.
وبينما يواصل العلماء مراقبة هذا الكائن البحري العريق، تظل نتائج هذه التجربة مرشحة لإضافة بيانات جديدة إلى سجل المعرفة العلمية، بما يساهم في فهم أعمق لأسلوب حياته، ومسارات هجرته، وعلاقته بالمناطق الساحلية التي يرتادها، وهو ما ستتابعه بوابة مصر ضمن تغطيتها للأخبار العلمية الحديثة.
