محمد صلاح، يظل اسماً محورياً في قصة ليفربول الحديثة، ليس فقط بسبب الأهداف والألقاب، بل أيضاً لما تركه من أثر اجتماعي وثقافي واسع داخل المدينة وخارجها، فمسيرته في أنفيلد تحولت إلى رمز رياضي وإنساني يربط بين كرة القدم والتحول المجتمعي.
مسيرة صنعت مكانة استثنائية
منذ وصول محمد صلاح إلى ليفربول في صيف 2017، كتب النجم المصري فصلاً لامعاً في تاريخ النادي، بعدما أحرز 257 هدفاً في 441 مباراة، وهو رقم لم يتفوق عليه سوى لاعبين اثنين فقط في تاريخ الفريق، وقد جعلته هذه الأرقام ضمن دائرة الأساطير التي يصعب تكرارها، حتى مع اقتراب نهاية مشواره مع النادي.
وتشير تقارير صحفية، بينها ما نشرته “ذي أتلتيك”، إلى أن أثر صلاح لم يتوقف عند حدود الأداء الفني، بل امتد إلى صورة ليفربول نفسها، وإلى الطريقة التي ينظر بها سكان المدينة إلى التنوع الديني والعرقي، وهو ما منح تجربته بعداً يتجاوز الملاعب والنتائج.
كيف غيّر محمد صلاح صورة المدينة؟
في ليفربول، ينظر كثيرون إلى صلاح بوصفه جسراً بين فئات اجتماعية متباعدة، فحضوره القوي وأخلاقه وانضباطه شكّلت عناصر أعادت فتح نقاشات كانت خافتة لسنوات طويلة، خصوصاً داخل الأحياء التي ظلت تعيش عزلة نسبية عن بعضها البعض.
ويؤكد مالك كركار، وهو خبير لغوي عمل مترجماً ويتحدث العربية، أن انضمام صلاح إلى ليفربول عام 2017، ثم موسمه الأول الذي سجل فيه 44 هدفاً، أسهما في خلق أرضية مشتركة للحوار بين مجتمعات لم تكن تتفاعل كثيراً في السابق، ويقول إن تأثيره تجاوز كرة القدم إلى تغيير النظرة النمطية للمسلمين في ليفربول وبريطانيا والعالم.
ملامح التأثير الاجتماعي
- تعزيز صورة المسلمين: ساعد على تخفيف الصور النمطية المرتبطة بالمسلمين في المدينة وخارجها.
- تشجيع الانفتاح: فتح باباً لحوار أكثر إيجابية بين سكان ليفربول المختلفين.
- إلهام الشباب: منح كثيرين دافعاً لتغيير نمط حياتهم والالتزام بالنظام والانضباط.
- ربط المجتمعات: أصبح اسمه حاضراً لدى شرائح كانت بعيدة عن بعضها البعض اجتماعياً.
منطقة L8 وامتداد الإلهام
تظل بعض أحياء ليفربول محتفظة بخصوصيتها الاجتماعية، ومنها المنطقة التي يفصلها شارع البرلمان العلوي إلى غرانبي الغنية وإل 8 الفقيرة، وهو ما جعل الحديث عن الانقسام الطبقي والعرقي جزءاً من ذاكرة المكان، لكن صلاح ظهر لدى كثيرين كاسم يجمع أكثر مما يفرّق.
وفي هذه المنطقة، أطلق عماد علي عام 2021 بطولة كروية حملت اسم “العالم في مدينة واحدة”، وجاءت الفكرة، بحسب ما قاله عام 2022، خلال الإغلاق في فترة كوفيد-19، حين شعر بأن نجاح لاعبين مثل محمد صلاح يمنحه ثقة أكبر ليعبّر عن نفسه ويطرح أفكاره بلا تردد.
امتداد إرث جون بارنز
يرى عدد من المتابعين أن صلاح سار على خطى أسماء تاريخية في النادي، وعلى رأسها جون بارنز، الذي أصبح في عام 1987 أول لاعب أسمر يتعاقد معه ليفربول مقابل مبلغ مالي، وظل اسمه قريباً من الأحياء الشعبية ومجتمعاتها المتنوعة حتى بعد مرور عقود على ظهوره.
ويذهب بعض أبناء المدينة إلى أن ما فعله صلاح أعاد إحياء الحوار حول هوية ليفربول، تماماً كما فعل بارنز في زمنه، لكن مع فارق مهم يتمثل في أن صلاح حمل معه أيضاً تأثيراً عالمياً مرتبطاً بكونه واحداً من أشهر اللاعبين المسلمين في التاريخ.
لغة الأرقام تعكس الشعبية العالمية
في عالم التواصل الاجتماعي، تبدو شعبية صلاح واضحة بالأرقام، فهو في مطلع مايو كان يمتلك 65.2 مليون متابع على إنستغرام، و19.2 مليون متابع على منصة “إكس”، ليأتي في المرتبة الثانية عالمياً بين اللاعبين المسلمين الأكثر متابعة، خلف كريم بنزيما الذي سجل 73.9 مليون متابع على إنستغرام و20.9 مليون على “إكس”.
ورغم أن الاثنين ينحدران من أصول شمال أفريقية، فإن مساريهما مختلفان، فبنزيما وُلد في فرنسا ومثل منتخبها، وقضى 14 موسماً مع ريال مدريد قبل انتقاله إلى السعودية، بينما استقر صلاح في ليفربول منذ 2017 بعد تجارب أوروبية متعددة، ولم يرتبط يوماً بقطبي الكرة المصرية الأهلي أو الزمالك.
لماذا يبقى صلاح مختلفاً عن بقية النجوم؟
يمتلك صلاح مكانة خاصة داخل ليفربول، ويقف في السجالات التاريخية إلى جانب أسماء مثل كيني دالغليش وستيفن جيرارد، لكن الفارق أن تأثيره يتجاوز حدود النادي والمدينة، لأنه أصبح رمزاً دينياً وجغرافياً لشريحة واسعة تمتد إلى نحو ملياري مسلم حول العالم.
كما أن شخصيته الاستقلالية لعبت دوراً في بناء هذه الصورة، فهو لا يعتمد على خطاب عاطفي مفرط، ولا يقدّم نفسه بوصفه ممثلاً رسمياً لأي جماعة، بل يفضّل أن تكون أفعاله داخل الملعب وخارجه هي الرسالة الأساسية التي تصل إلى الجمهور.
عوامل عززت صورته
- الاستمرارية: حافظ على مستوى عالٍ منذ وصوله إلى أنفيلد، ولم يتراجع حضوره التهديفي،
- الانضباط: ارتبط اسمه بنمط حياة احترافي جعله قدوة لكثير من الشباب،
- الرمزية الدينية: ظهر أثره لدى المسلمين من خلال هويته وسجود الشكر بعد الأهداف،
- الانتشار العالمي: تجاوز تأثيره حدود ليفربول إلى نطاق دولي واسع،
كيف تعامل مع هويته الدينية والإعلامية؟
منذ انتقاله إلى روما على سبيل الإعارة في 2015، تولى رامي عباس إدارة شؤونه غير الرياضية، وكان هدفه أن يحمي هوية صلاح من التوظيف الإعلامي الضيق، لذلك رفضا معاً كثيراً من العروض التي حاولت حصره في إطار ديني فقط، أو تقديمه بوصفه عنواناً لموضوعات التنوع على حساب تفرّده الرياضي.
وفي موسم 2017-2018 تحديداً، سجّل صلاح 44 هدفاً، وهي الفترة التي أشار عباس إلى أنها شهدت انخفاضاً في معدلات الإسلاموفوبيا في ميرسيسايد، بينما اكتفى اللاعب بإظهار تدينه عبر سجود الشكر، من دون الدخول في تصريحات مباشرة حول دينه.
ماذا يعني رحيله عن ليفربول؟
يرى مراقبون أن أي نهاية لمسيرة صلاح في أنفيلد لن تمحو إرثه، لأن حضوره ارتبط بتغييرات اجتماعية وثقافية بقدر ما ارتبط بالأهداف، وقد ظل في نظر كثيرين أحد أكثر الشخصيات توحيداً للمجتمع في تاريخ المدينة، حتى مع بروز تحولات سياسية جديدة في المنطقة.
ومع استمرار الجدل حول مستقبله ومكانته بين عظماء النادي، يبقى الثابت أن صلاح لم يترك أثراً في ليفربول فحسب، بل شارك في إعادة تعريف العلاقة بين الرياضة والهوية والانتماء، وهو ما يجعل قصته حاضرة بقوة في المتابعة اليومية عبر بوابة مصر وغيرها من المنصات التي ترصد تفاصيل المشهد الرياضي والاجتماعي.
