تدريس الفنون باللغة الإنجليزية، عاد إلى واجهة النقاش الثقافي في السعودية بعد الجدل الذي أثارته آراء مثقفين وأدباء وفنانين حول لغة التعليم في الجامعات، بين من يراها حماية للهوية العربية، ومن يعدّها مدخلاً إلى الانفتاح المعرفي والعالمي، وبين الرأيين ظهرت مداخلات متعددة أعادت ترتيب النقاش من زاوية الفن واللغة والهوية.
سجال يتجاوز قاعة الدراسة
لم يعد الجدل حول لغة تدريس الفنون مجرد نقاش أكاديمي محدود، بل تحوّل إلى قضية ثقافية واسعة حضرت بقوة في مواقع التواصل الاجتماعي، حيث انقسمت الآراء بين من يتمسك بالعربية بوصفها الوعاء الطبيعي للإبداع، ومن يرى أن الإنجليزية تمنح الفنون أفقاً أوسع، وتربط الطالب بمصادر المعرفة العالمية، وتفتح أمامه باب التفاعل مع التجارب الفنية المختلفة.
ناصر القصبي يرفض ربط اللغة بالهوية المغلقة
الفنان ناصر القصبي كان من أبرز من علّقوا على هذا الجدل، إذ قال في تغريدة عبر حسابه على منصة إكس إنه لا يرى مانعاً من استخدام أي لغة لتدريس الفنون، واعتبر أن تقسيم الناس بين حرس قديم وفوبيا الهوية وآخر منفتح بلا حدود هو سجال غير جديد، وأشار إلى جامعة الملك فهد للبترول بوصفها مثالاً حياً على إمكان الدراسة بلغة أجنبية دون أن يعني ذلك فقدان الانتماء، كما شبّه التخوف من الإنجليزية بالمواقف المتشددة في ستينات وسبعينات القرن الماضي تجاه الابتعاث.
أبرز ما قاله القصبي
- لا مانع من أي لغة: رأى أن لغة التدريس لا ينبغي أن تتحول إلى حاجز أمام الفنون.
- الهوية لا تُمحى: أكد أن الخريج لن ينسلخ من جذوره لأنه درس بعض المواد بالإنجليزية.
- العالمية ممكنة: توقع أن يخرج من الجامعة لاحقاً عمل فني كبير يلقى صدى عالمياً.
اعتراضات تربط الفن بجذوره العربية
في المقابل، قدّم الدكتور عبدالله الجديع موقفاً مغايراً، حين رأى أن تدريس الفنون بالإنجليزية لا يمثل مجرد اختيار لغوي، بل يتجاوز ذلك إلى تشويه معرفي لبنية الإبداع، لأن الطالب، في تقديره، سيقرأ موروثه الشعبي بعيون غربية، كما أن المصطلحات الأجنبية قد تفصل الفن عن سياقه اللغوي والأدبي، وتضعف صلته بالخيال العربي والذاكرة المحلية.
الغذامي يرى ثراءً معرفياً في الجمع بين اللغتين
أما الناقد الأكاديمي الدكتور عبدالله الغذامي، فقد نقل صورة أكثر توازناً عندما ذكر أنه تواصل مع فريق المقررات بشأن مقرر عن الموروث السعودي، موضحاً أن المادة كانت باللغة العربية، فيما أُبلغ بأن بعض المقررات الأخرى ستكون بالإنجليزية، وهو ما لا يراه مشكلة، بل يعدّه ثراءً معرفياً لا يثير التحفظ، ما دام الهدف هو تطوير المحتوى الأكاديمي وتعزيز أدوات الطالب المعرفية.
البازعي يصف الأمر بالكارثة
الدكتور سعد البازعي اتخذ موقفاً شديد الوضوح، إذ وصف تدريس طلاب سعوديين في جامعة الفنون باللغة الإنجليزية بأنه كارثة، وذكّر بأن الجامعات الغربية تدرّس الأدب العربي بلغاتها هي، بينما يكتب الباحثون هناك رسائلهم بالإنجليزية أو الفرنسية أو الألمانية، واعتبر ذلك واقعاً غريباً لكنه قائم، ثم استعاد تجربته في جامعة الملك سعود، حين كان يدرّس الأدب الإنجليزي والأمريكي بالإنجليزية، لكنه لم يجد مبرراً لكتابة الرسائل الجامعية بهذه اللغة، وأصر على مناقشة أول رسالة ماجستير بالعربية.
مرتكزات موقف البازعي
- رفض التبعية اللغوية: دعا إلى ألا تكون العربية أقل حضوراً من اللغات الأجنبية في جامعات الوطن.
- تجربة شخصية: استند إلى خبرته الأكاديمية الطويلة في التعليم والمناقشة.
- إشارة فكرية: ربط موقفه بما طرحه نغوغي وا ثيونغو في كتابه إزالة الاستعمار عن العقل.
فوزية أبوخالد تحذر من اتساع الأزمة
الدكتورة فوزية أبوخالد أيّدت ما ذهب إليه البازعي، واعتبرت أن القضية تمس كل مواطن ومثقف حريص على الهوية الثقافية العربية، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن الخطر لا يقتصر على الجامعة وحدها، بل يمتد إلى التعليم العام الذي يسير، بحسب وصفها، في مسار دولي قد يجعل الأجيال القادمة أقل قدرة على التعلّم بالعربية، وكأن المسار كله يمهّد للالتحاق بجامعات أجنبية لا بجامعات محلية.
المراجع الأجنبية ليست المشكلة في نظر صالح زياد
الدكتور صالح زياد لم يمانع الاستفادة من المراجع والمصطلحات الإنجليزية في تعليم الفنون، وعدّ ذلك أمراً طبيعياً في أي حقل معرفي حديث، لكنه فرّق بوضوح بين استخدام أدوات المفاهيم العالمية وبين تحويل لغة التكوين الفني نفسها إلى الإنجليزية داخل جامعة سعودية تهتم بالسينما والموسيقى العربيتين، ورأى أن الفنون ليست معادلات تقنية صرفة، بل خبرة مرتبطة باللغة والذاكرة والخيال والوجدان الاجتماعي، لذلك فإن تبيئة المعرفة الفنية بالعربية عنده ضرورة معرفية وإبداعية.
الموسيقى العربية ومشكلة المصطلح
الشاعر حسن القرني توسع في الحديث عن علم الموسيقى، موضحاً أن الموسيقى العربية أوسع وأعقد من نظيرتها الغربية، وأنها صيغت عبر التاريخ بمصطلحات عربية خالصة، كما أن ألواناً متعددة عربية وغير عربية أثرت فيها، من الفارسية إلى الأمازيغية والحبشية، مع وجود تقاطعات مع الموسيقى الغربية، ورأى أن المشكلة ليست في الفنون ذاتها، بل في العقل العربي الذي يملك هذا الإرث ثم يضعه جانباً ليستعير لساناً غير لسانه، وكأن أبناءه مبتعثون في جامعاتهم.
هل يمكن أن تبقى الفنون عالمية بالعربية؟
الجدل الذي دار بين هذه الأصوات كشف أن القضية لا تتعلق بلغة التدريس فقط، بل بسؤال أوسع عن العلاقة بين المعرفة والهوية، وبين الانفتاح والتبعية، وبين العالمية والخصوصية، فبعض المشاركين يرى أن الإنجليزية قد تمنح الطالب أدوات إضافية وتربطه بمراجع واسعة، بينما يصر آخرون على أن الفن لا يفقد عالميته إذا بقي منغرساً في لغته الأصلية، لأن القيمة الحقيقية للعمل الفني تأتي مما يقدمه للناس، لا من اللغة التي يُدرّس بها.
وفي المحصلة، أعاد هذا النقاش طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل التعليم الفني في السعودية، وحول قدرة المؤسسات الأكاديمية على الموازنة بين العربية كلغة هوية، والإنجليزية كلغة معرفة، وبين الطرفين تبقى الحاجة إلى صياغة تصور واضح يحفظ الخصوصية ولا يعزل الطلاب عن العالم، وهو ما يجعل هذا الملف حاضراً بقوة في المتابعة الثقافية لدى بوابة مصر.
