معالجات ناسا، تدخل وكالة الفضاء الأميركية مرحلة جديدة في تطوير الحوسبة الفضائية، بعدما كشفت عن شريحة مستقلة مصممة للعمل داخل المركبات الفضائية في البيئات القاسية، مع قدرة أعلى بكثير من الأنظمة الحالية، ما يعزز إمكان اتخاذ القرار على متن الطائرة خلال المهمات البعيدة عن الأرض.
قفزة تقنية في الحوسبة الفضائية
تعمل ناسا ضمن مشروع حوسبة رحلات الفضاء عالية الأداء HPSC على تطوير معالج جديد يهدف إلى رفع مستوى الاستقلالية داخل المركبات الفضائية، وتقليل الاعتماد على مراكز التحكم الأرضية التي تتأثر بتأخيرات الاتصال، وتزداد أهميته كلما ابتعدت المهمة عن الأرض، خاصة في الرحلات الطويلة إلى الفضاء السحيق.
وتشير الوكالة إلى أن الشريحة الجديدة المقواة بالإشعاع يمكن أن تمنح المركبات الفضائية قدرة معالجة أكبر بمئات المرات من بعض المعالجات الحالية، وهو تطور يفتح المجال أمام تشغيل أنظمة أكثر تعقيداً، والتعامل مع البيانات العلمية، واتخاذ إجراءات فورية عند ظهور مواقف غير متوقعة أثناء الرحلة.
ما الذي يميز الشريحة الجديدة؟
صممت الشريحة لتكون أكثر تحملاً للظروف القاسية التي تواجهها المركبات الفضائية، إذ يجب أن تصمد أمام الإشعاع الشديد، والتغيرات الكبيرة في درجات الحرارة، والصدمات المرتبطة بالإقلاع أو الهبوط، وهذه المتطلبات تجعل تطوير المعالجات الفضائية مهمة دقيقة وحساسة للغاية.
- قوة معالجة أعلى: تصل إلى 100 مرة مقارنة بأجهزة رحلات الفضاء الحالية، مع نتائج اختبار أولية أظهرت أداء أعلى بنحو 500 مرة من المعالجات الحالية المحمية من الإشعاع.
- تصميم متعدد النوى: يمنح الشريحة مرونة أكبر في تنفيذ المهام المختلفة، مع قدرة أفضل على تحمل الأخطاء، والعمل بكفاءة في البيئات الصعبة.
- اعتماد أقل على الأرض: يتيح للأنظمة الفضائية اتخاذ قرارات محلية دون انتظار التعليمات، وهو أمر مهم مع ازدياد تأخيرات الاتصالات.
- ملاءمة للمهام البعيدة: يكتسب أهمية خاصة في المهمات المأهولة إلى القمر والمريخ، حيث يصبح التحكم الفوري من الأرض غير ممكن عملياً.
كيف اختبرت ناسا المعالج؟
خضع النموذج الأولي لسلسلة من الاختبارات الصارمة في مختبر الدفع النفاث التابع لناسا، حيث جرى وضعه في مكبس، ثم إخضاعه لاختبارات الإشعاع ودرجة الحرارة والصدمات، وذلك للتأكد من قدرته على العمل في الظروف الواقعية التي قد تواجه المركبة أثناء المهمة.
وقال جيم بتلر، مدير مشروع الحوسبة الفضائية عالية الأداء في مختبر الدفع النفاث، إن هذه الاختبارات تهدف إلى التحقق من قدرة الرقائق الجديدة على الصمود، لا سيما في البيئات التي لا تحتمل أي خلل، لأن أي خطأ حاسوبي قد يدفع المركبة إلى وضع الأمان الوقائي.
لماذا تحتاج المهمات الفضائية إلى الاستقلالية؟
تؤثر تأخيرات الاتصالات في الفضاء بشكل مباشر على سرعة اتخاذ القرار، فكلما ابتعدت المركبة عن الأرض، ازدادت صعوبة الاعتماد على التوجيه البشري اللحظي، ولهذا تتجه ناسا إلى تمكين الأنظمة الموجودة على متن الطائرة من معالجة البيانات العلمية والاستجابة للتهديدات دون انتظار أوامر خارجية.
ويبرز هذا الاحتياج بوضوح في مهام الهبوط على الكواكب، إذ تتطلب هذه العمليات معالجة كميات كبيرة من بيانات الاستشعار في وقت قصير، بينما تحتاج الأجهزة التقليدية إلى طاقة أكبر وقدرات أقل مرونة، وهو ما تسعى الشريحة الجديدة إلى تجاوزه.
هل يحمل الذكاء المستقل في الفضاء مخاطر؟
تثير هذه القفزة في قدرات الحوسبة سؤالاً مشروعاً حول مدى استعداد الأنظمة المستقلة لتحمل مسؤوليات القرار، خصوصاً أن وكالة ناسا تتجه إلى استخدام الذكاء الاصطناعي على متن الطائرة في مهام حاسمة، مع الاعتماد على المعالجة الفورية بدل انتظار التعليمات من الأرض.
ويرتبط هذا النقاش بصورة لافتة بفيلم 2001: رحلة فضائية الصادر عام 1968، حيث ظهر الحاسوب HAL في سياق تحذيري عن منح الآلات سلطة كبيرة، ومع ذلك تؤكد ناسا أن الهدف الحالي هو بناء أنظمة متسامحة مع الأخطاء، وفعالة، وقادرة على دعم المهمات العلمية والهبوط عالي الدقة.
ما دور التعاون الصناعي في المشروع؟
أسفر تعاون ناسا مع شركة Microchip Technology عن إنتاج عينات شرائح موجهة لشركاء الدفاع والفضاء التجاريين، وهو ما يشير إلى أن نتائج المشروع قد تمتد خارج الاستخدامات العلمية البحتة، مع بقاء الهدف الأساسي هو تطوير معالج نهائي يدعم الجيل المقبل من المركبات الفضائية.
وتتوقع ناسا أن تسهم هذه التقنية في دعم المهمات المأهولة إلى القمر والمريخ، خاصة أن تأخير الاتصال هناك لعدة ثوانٍ يجعل الاعتماد على التحكم البشري المباشر أمراً غير عملي، بينما تمنح المعالجات الجديدة المركبة قدراً أكبر من الاستقلالية والسرعة في التعامل مع التحديات.
ما أهمية هذا التطور للمستقبل؟
يمثل المعالج الجديد خطوة مهمة في مسار الحوسبة الفضائية، لأن الجمع بين مقاومة الإشعاع، والقدرة العالية على المعالجة، والاستقلالية التشغيلية، قد يغير طريقة تنفيذ المهمات المستقبلية، ويجعل المركبات أكثر قدرة على الاستجابة للظروف المفاجئة أثناء العمل في الفضاء العميق.
وبينما تواصل ناسا اختبار هذه التكنولوجيا وتوسيع نطاق استخدامها المحتمل، يبقى التطور الأبرز أنه ينقل الحوسبة الفضائية من مرحلة الدعم المحدود إلى مرحلة صنع القرار الذكي على متن المركبة، وهو تحول تتابعه بوابة مصر بوصفه واحداً من أهم أخبار التقنية والفضاء في الوقت الراهن.
