محمد علي حافظ, ودّعت الساحة الإعلامية اليوم واحداً من أبرز الأسماء التي جمعت بين الصحافة والإدارة والرؤية الثقافية، فقد ترك بصمة واضحة في الصحافة السعودية والعربية، وأسهم في إطلاق مشاريع إعلامية رائدة نقلت الحضور المحلي إلى فضاء أوسع، وجعلت اسمه مرتبطاً بالتأسيس والتطوير والعمل المتقن.
مسيرة بدأت من المدينة المنورة
وُلد محمد علي حافظ في المدينة المنورة عام 1937، في العام نفسه الذي صدر فيه العدد الأول من جريدة «المدينة» التي أنشأها والده علي وعمّه عثمان، وهو ما جعل ارتباطه بالصحافة جزءاً من بيئته الأولى، لا مجرد اختيار لاحق، فقد نشأ في محيط مهني قريب من النشر والتحرير والعمل الإعلامي.
تلقى تعليمه في المملكة، ثم حصل على منحة دراسية بعد الثانوية، ليتجه إلى مصر ويواصل دراسته في الصحافة بجامعة القاهرة، وهناك تلقى تدريباً عملياً في دار «أخبار اليوم» عام 1960 بإشراف مصطفى أمين، قبل أن يعود إلى المملكة ليبدأ مرحلة جديدة في وزارة الإعلام.
من رئاسة التحرير إلى الإدارة المؤسسية
في عام 1961، تولّى محمد علي حافظ رئاسة تحرير صحيفة المدينة وهو في الخامسة والعشرين من عمره، وكان ذلك مؤشراً مبكراً على الثقة الكبيرة التي حظي بها في سن صغيرة، ثم جاءت محطة 1976 عندما عُيّن مديراً عاماً لشركة «المدينة المنورة للطباعة والنشر» التي تملكها أسرته، فجمع بين العمل التحريري والإداري في آن واحد.
لم يكن حضوره مقتصراً على الصحيفة التي نشأ في ظلها، بل امتد إلى مشاريع إعلامية واسعة، إذ شارك في رئاسة تحرير جريدة «الشرق الأوسط»، وأسهم في ترسيخ مكانتها بوصفها أول جريدة عربية يومية دولية تطبع وتوزع في عدة دول في اليوم نفسه، وهو إنجاز ارتبط بالتخطيط المبكر وفهم طبيعة الانتشار الإعلامي.
كيف صنع مشاريعه الإعلامية؟
اعتمد محمد علي حافظ في تجربته على تكوين المؤسّسات قبل التوسع في الأثر، فأسس مع أخيه هشام شركة الخليجية للإعلان، والشركة السعودية للتوزيع، وشركة الأفق للنظم الإلكترونية، وهي خطوات عكست اهتمامه ببناء منظومة متكاملة حول الصحافة، وليس الاكتفاء بالصدور اليومي فقط.
كما عُرف بكتاباته الصحفية، وبعموده اليومي «صباح الخير» الذي نُشر في صحف «المدينة»، ثم «عكاظ» و«الشرق الأوسط»، وأخيراً في «الاقتصادية»، وقد حافظ من خلاله على حضور يومي ثابت لدى القراء، وجمع بين الرأي والمتابعة والتعليق في أسلوب قريب من الجمهور.
أبرز ملامح تجربته الإعلامية
- التأسيس المبكر: شارك في إطلاق مشاريع سبقت وقتها، واعتمد على دراسة متخصصة ووعي بالسوق.
- الانتشار الدولي: نقل الصحافة المحلية إلى مستوى عالمي عبر «الشرق الأوسط» و«عرب نيوز».
- تنوع الأدوار: عمل محرراً، ورئيساً للتحرير، ومديراً عاماً، وكاتباً يومياً.
- بناء الكفاءات: آمن باستثمار رأس المال في تطوير الكوادر واقتناص المواهب.
لماذا ارتبط اسمه بالريادة؟
تميّز محمد علي حافظ بوعي تقدمي رافقه منذ مطلع شبابه، وقد انعكس هذا الوعي على شكل الصحف التي ترأسها، وعلى موضوعاتها وتبويبها، كما ظهر في قدرته على قراءة المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية، والتعامل معها كمحركات لمشاريع إعلامية جديدة.
ومن أبرز ما يحسب له أنه كان من أوائل الذين نادوا بإنشاء جامعة أهلية في جدة، ثم استجابت الفكرة لمَن آمن بها، فتكوّنت مجموعة تأسيسية لجامعة جدة الأهلية، قبل أن تتبناها الدولة وتصبح جامعة الملك عبدالعزيز، وهو ما يكشف حضوره في المجال الفكري والتربوي إلى جانب الإعلامي.
ما الذي جعل مشروعه ناجحاً؟
عندما اتسعت سوق العمل السعودية في زمن الطفرة، انتبه محمد علي حافظ إلى كثرة الوافدين، ولا سيما ممن لا يتحدثون العربية، فكانت فكرة «عرب نيوز» استجابة مباشرة لهذه الحاجة، وفي المقابل لاحظ أن الصوت الإعلامي السعودي لا يصل إلى الضفاف الأخرى، فكانت «الشرق الأوسط» امتداداً طبيعياً لهذا الإدراك.
وقد ساعدته في ذلك عناصر عدة، منها الدراسة المتخصصة، والتفكير المبكر في احتياجات السوق، واستثمار المال في بناء الكفاءات، ومنح الثقة لمن يستحقها، ولذلك لم يتعثر أي من مشاريعه، بل بقيت مرتبطة بالابتكار والتنظيم وحسن التقدير، وكان أثره واضحاً في مسار الصحافة السعودية والعربية.
كيف سيُذكر محمد علي حافظ؟
سيبقى محمد علي حافظ حاضراً في ذاكرة الإعلام العربي بوصفه من الأسماء التي جمعت بين التنفيذ والرؤية، وبين العمل الصحفي والتأسيس المؤسسي، وبين التجربة المحلية والانفتاح على العالم، وقد رحل بعد أن ترك مشروعات راسخة وأثراً متجدداً في المهنة.
وتبقى سيرته مثالاً على أن الريادة لا تصنعها الشهرة وحدها، بل تصنعها القدرة على الفكرة المبكرة، والعمل المنظم، والإيمان بالتحول، وهي معانٍ تلخصها تجربة رجل ظل أثره ممتداً في الصحافة والثقافة والتعليم، كما تقدمها اليوم بوابة مصر لقرائها في صياغة تليق بتاريخ هذا الاسم الكبير.
