أول توثيق موسع للحيوانات “أشباح الجبال” في السعودية.. اكتشاف علمي يسلط الضوء على عالمها الغامض

أول توثيق موسع للحيوانات “أشباح الجبال” في السعودية.. اكتشاف علمي يسلط الضوء على عالمها الغامض
محرر الخبر علياء الهاجري
حجم الخط

الكاميرات الليلية، كشفت دراسة ميدانية حديثة في جبال عسير جنوب غرب السعودية عن عالم بري نشط يختبئ عن الأنظار نهاراً، لكنه يتحرك بكثافة تحت الظلام، حيث رصد الباحثون ضباعاً ووشقاً وثعالب وأنواعاً أخرى في بيئة تعد من أغنى مناطق التنوع الحيوي في المملكة.

دراسة تمتد عاماً كاملاً تكشف تفاصيل غير مرئية

اعتمد الباحثون من قسم الحياة البرية والتراث الطبيعي بالهيئة الملكية للعلا على شبكة من 36 كاميرا مراقبة، وجرى توزيعها في منطقتي النماص وظهران الجنوب، واستمر الرصد لمدة عام كامل، وهو ما أتاح جمع مادة علمية واسعة عن الثدييات البرية المتوسطة وكبيرة الحجم في جبال عسير، وهي منطقة وعرة لم تحظ بدراسات كافية من قبل بسبب صعوبة تضاريسها.

ووفق ما نُشر في دورية Global Ecology and Conservation، فإن هذه المنهجية لم تكتف بتسجيل الحضور العددي للأنواع، بل قدمت أيضاً صورة سلوكية عن أوقات النشاط والتعايش والتنافس بين الحيوانات، الأمر الذي جعل النتائج أكثر عمقاً من مجرد إحصاء ميداني تقليدي.

كيف نُفذت الدراسة؟

اختيرت الكاميرات بعناية، وجاءت طريقة العمل منظمة لضمان استقلالية البيانات ودقتها، وفيما يلي أبرز عناصر المنهجية التي استخدمها الباحثون:

  • عدد الكاميرات: 36 كاميرا من طراز ريكونيكس إكس بي 9 ألترا فاير.
  • مدة الرصد: عام كامل من المتابعة المستمرة.
  • ارتفاع التثبيت: 30 سم عن سطح الأرض.
  • الموقع بالنسبة للممرات: من 2 إلى 3 أمتار بعيداً عن الدروب.
  • آلية التصوير: 3 صور متتالية عند كل استشعار للحركة، مع تأخير ثانية واحدة بين الصور.
  • المسافة بين الكاميرات: لا تقل عن 1 كم وتصل إلى 10 كم.

ويرى الدكتور محمد علي نواز، خبير الحياة البرية والأستاذ المشارك في علم الأحياء الحفظي بجامعة قطر، وهو لم يشارك في الدراسة، أن هذا التصميم يعد جيداً ويوافق البروتوكولات الفعالة لرصد الثدييات، خاصة عندما تكون المساحة واسعة والتضاريس صعبة.

صيد علمي ثمين من الصور والأنواع

أسفرت الكاميرات عن أكثر من 9000 صورة، سجلت ظهور 15 نوعاً من الثدييات البرية المتوسطة وكبيرة الحجم، وهي حصيلة علمية لافتة تكشف مدى غنى المنطقة بالحياة البرية، رغم أن كثيراً من هذه الأنواع لا يراها السكان أو المتنزهون بسهولة.

وأظهرت النتائج أن معظم الحيوانات كانت تنشط ليلاً بشكل أساسي، مع زيادة ملحوظة في أوقات الغسق والفجر خلال المواسم الباردة، أي في الخريف والشتاء، وهو نمط يعكس تأقلمها مع ظروف البيئة الجبلية ومع التغير في درجات الحرارة.

الأنواع الأكثر انتشاراً

سجلت خمسة أنواع حضوراً واسعاً في أكثر من 78% من المواقع، وهي:

  • قرود البابون: ظهرت بكثافة في المواقع المرصودة.
  • الضبع المخطط: كان من الأنواع الأكثر تكراراً.
  • النيص الهندي: سُجل في نطاق واسع من المواقع.
  • الوشق الآسيوي، الكركال: من المفترسات المهمة في المنطقة.
  • الذئب العربي: ظهر ضمن الأنواع ذات الانتشار الكبير.

الأنواع متوسطة الظهور

أما الأنواع التي جاءت بنسبة توزيع متوسطة، أي في أقل من 22% من المواقع، فتشمل:

  • ثعلب بلانفورد: حضوره كان محدوداً نسبياً.
  • النمس أبيض الذيل: ظهر في عدد أقل من المواقع.
  • القط البري الأفريقي: سُجل بانتشار متوسط.
  • الثعلب الأحمر: لم يكن من الأنواع الكثيفة الوجود.
  • الزريقاء، العناق: ظهر ضمن هذه الفئة أيضاً.
  • غرير العسل: كان توزيعه متوسطاً.

الأنواع النادرة

في المقابل، بقيت بعض الأنواع نادرة جداً، إذ ظهرت في أقل من 17% من المواقع، وهي:

  • الوبر الصخري: رُصد بشكل محدود.
  • الأرنب البري: لم يظهر إلا في مواقع قليلة.
  • الوعل النوبي: كان من الأنواع النادرة في الرصد.
  • القنفذ الجبلي: سُجل حضوره في نطاق ضيق.

النمر العربي غاب عن الصور لكنه لم يغب عن البيئة

لم تنجح الكاميرات في التقاط النمر العربي خلال فترة الدراسة، رغم أن الباحثين عثروا على علامات ميدانية تشير إلى وجوده، مثل الخدوش التي يتركها على الأرض أو جذوع الأشجار بأطرافه الخلفية وأنيابه ومخالبه، وهي إشارات سلوكية تستخدم لتحديد النفوذ والمساحة.

ويرى الباحثون أن وجود فرائس طبيعية مثل الوعل النوبي والأرنب البري والوبر، إلى جانب كثرة الوشق والذئاب، يجعل النظام البيئي في جبال عسير صالحاً من الناحية التقنية لاستضافة النمر العربي، بوصفه المفترس الأعلى في هذا التوازن الطبيعي.

آليات التعايش والتنافس?

لم تتوقف الدراسة عند حدود الرصد العددي، بل ذهبت إلى تحليل العلاقات بين الأنواع، وخصوصاً بين المفترسات الكبيرة والمفترسات المتوسطة، فظهرت مؤشرات واضحة على وجود تنافس وتجنب مكاني بين بعض الحيوانات، وهو ما يمنح صورة أدق عن كيفية توزيع النفوذ في هذه البيئة الجبلية.

كما رصد الباحثون أن المفترسات الكبيرة، مثل الضبع والذئب والوشق، كانت الأكثر وفرة، ويبدو أنها تفرض حضورها على الأنواع الأصغر، بينما أظهرت البيانات تداخلاً مكانياً منخفضاً جداً بين هذه الأنواع الكبيرة والمفترسات المتوسطة مثل الثعالب.

وفي الصيف بظهران الجنوب، ارتفعت أعداد الثعالب مع انخفاض أعداد المفترسات الكبيرة، وهو ما يدعم فرضية تحرر المفترسات المتوسطة عندما يغيب المنافس الأقوى، كما يشير إلى أن توزيع الحيوانات ليس ثابتاً، بل يتغير بحسب الضغط البيئي وتوازن القوى بين الأنواع.

لماذا تعد هذه النتائج مهمة للحماية؟

تكتسب الدراسة أهميتها من كونها تقدم أساساً عملياً لإدارة الحياة البرية في جبال عسير، فهي لا تعرض مجرد قائمة بالحيوانات الموجودة، بل توضّح أيضاً كيف تتصرف هذه الأنواع في مواجهة بعضها وفي مواجهة الإنسان، وهو ما يساعد في تحسين خطط الحماية المستقبلية.

ويرى الدكتور محمد علي نواز أن تحليل التكرار وحده لا يكفي لإثبات الهروب أو التجنب بين الأنواع، لذلك دعا إلى استخدام نماذج إحصائية أكثر تقدماً مثل نمذجة الإشغال المشترك، لأنها تتيح فهماً أدق لوجود الحيوانات حتى حين لا تظهر أمام الكاميرات.

وتشير الدراسة كذلك إلى أن الذئاب والضباع والنيص تغير سلوكها الزمني استجابة للنشاط البشري، ففي المواقع التي يرتفع فيها حضور الإنسان، تميل هذه الحيوانات إلى تقليل نشاطها النهاري وزيادة اعتمادها على الليل، وهو ما يبرز أثر الإنسان المباشر في سلوك الحياة البرية.

وبهذا المعنى، تقدم نتائج الدراسة إرشادات واضحة للمحافظة على الأنواع المهددة، خاصة في المناطق التي يتداخل فيها وجود الحيوانات، أو التي تظهر فيها آثار ضغط بشري واضح، وهي نتائج يمكن أن تفيد في أعمال الرصد والتخطيط البيئي التي تتابعها بوابة مصر ضمن تغطيتها العلمية والبيئية.

تاريخ آخر تحديث للخبر
تابع الآن أهم الأخبار عبر Google News
متابعة
علياء الهاجري

علياء الهاجري محرر الخبر

علياء الهاجري - كاتبة محتوى ذات خبرة عملية في كتابة وصياغة الخبر الصحفي تتخطى السع سنوات، حصلت على بكالوريوس الإعلام - جامعة القاهرة عام 2009 ، وها أنا حالياً متابعة جيدة لأخبار الوطن العربي، ومُتحدثة لبقة، سعودية المنشأ، سعودية الطباع، سعودية ككل، إنتمائي لوطني الأخضر يفوق الحدود.