يتجه عدد متزايد من قراء التاروت إلى الذكاء الاصطناعي طلبًا للإرشاد وسط تنامي الاعتماد على روبوتات الدردشة للدعم العاطفي

يتجه عدد متزايد من قراء التاروت إلى الذكاء الاصطناعي طلبًا للإرشاد وسط تنامي الاعتماد على روبوتات الدردشة للدعم العاطفي
محرر الخبر سمر منصور
حجم الخط

الذكاء الاصطناعي، دخل إلى عالم التاروت من باب لم يكن متوقعا، فصار بعض القراء يستخدمونه لفهم البطاقات ومراجعة تفسيراتهم الشخصية، وبين الرغبة في الوضوح والخشية من ضياع العمق الرمزي، تتشكل اليوم علاقة جديدة بين التكنولوجيا والممارسات الغامضة، كما رصدت دراسة نشرت في أبريل 2026.

التاروت بين الجذور التاريخية والانتشار الحديث

يشهد التاروت اليوم عودة لافتة إلى الواجهة، لكن تاريخه أبعد بكثير من صورته المعاصرة المرتبطة بالتنبؤ والإرشاد، فقد بدأ في عصر النهضة الإيطالية كلعبة ورق شعبية، ثم انتقل لاحقا إلى أنحاء أوروبا، ومع الوقت أضيفت إليه طبقات من الرموز الصوفية المستمدة من الكابالا، وعلم المصريات، وعلم الأعداد، وغيرها من التقاليد الرمزية، وفي أوائل القرن العشرين صدر سطح السفينة رايدر وايت سميث عن William Rider & Son، ليصبح أشهر مجموعة تاروت في العالم الناطق باللغة الإنجليزية.

ومع أن عدد المجموعات المتداولة كان محدودا في أوائل السبعينيات، فإن المشهد اليوم مختلف تماما، إذ توجد آلاف مجموعات التاروت والأوراكل في الأسواق، وتضم المجموعة القياسية 78 بطاقة، تحمل كل بطاقة دلالات رمزية خاصة، ويستخدمها الممارسون لطرح أسئلة تمتد من العلاقات الشخصية إلى القضايا العامة، ثم تأتي القراءة وفق السؤال المطروح وسياق حياة القارئ.

كيف تعاملت الدراسة مع استخدام الذكاء الاصطناعي في القراءات؟

أجرت الدراسة مقابلات مع 12 من ممارسي التاروت حول الطريقة التي استخدموا بها الذكاء الاصطناعي في القراءات التي يجرونها لأنفسهم، وأظهرت الإجابات أن العلاقة مع التقنية لم تكن واحدة، بل اتجهت في مسارين متوازيين، أحدهما يبحث عن الحسم، والآخر عن التحدي وإعادة النظر.

1. البحث عن وضوح أسرع.

كان بعض القراء يلجؤون إلى الذكاء الاصطناعي عندما تصبح قراءة البطاقات معقدة، خاصة إذا ظهرت بطاقات تبدو متعارضة في معناها، فبدلا من البقاء في مساحة الغموض، يطلبون شرحا مباشرا يساعدهم على الوصول إلى تصور أوضح.

2. تخفيف عبء التأويل الفردي.

عندما تتعدد الإشارات الرمزية في القراءة، قد يشعر القارئ بالإرهاق من محاولة ربط كل بطاقة بالسؤال المطروح، وهنا يقدم الذكاء الاصطناعي ما يبدو كإجابة منظمة وسريعة، حتى لو افتقدت هذه الإجابة إلى معرفة دقيقة بخلفية الشخص أو ظروفه الخاصة.

كيف يستخدم قراء التاروت الذكاء الاصطناعي كأداة نقدية؟

في الجانب الآخر من التجربة، لم يكتف بعض الممارسين بطلب التفسير المباشر، بل استخدموا الذكاء الاصطناعي لاختبار تحيزاتهم الشخصية، ومراجعة النقاط التي قد يغفلون عنها أثناء القراءة، فكان بمثابة أداة للمشاركة النقدية أكثر من كونه مرجعا نهائيا.

وقد حاول هؤلاء القراء مقارنة عدة تفسيرات للبطاقات نفسها، ثم قياس أيها كان أكثر انسجاما مع السياق، كما طلب بعضهم ما وصفوه بقراءة موضوعية، لأن الذكاء الاصطناعي يبدو في نظرهم أقل انخراطا في المشاعر والدوافع الشخصية، وأقرب إلى مسافة محايدة.

مظاهر هذا الاستخدام النقدي

  • توليد بدائل تفسيرية: تقديم أكثر من احتمال لمعنى البطاقة الواحدة، بدل الاكتفاء بإجابة واحدة.
  • فحص الافتراضات: مساعدة القارئ على الانتباه إلى ما قد يكون أسقطه على القراءة من تجاربه الخاصة.
  • الاستعانة بدعم غير بشري: استخدام روبوتات المحادثة عندما لا يرغب القارئ في إزعاج الأصدقاء أو طلب المساعدة من الآخرين.
  • التعامل مع المخرجات الغريبة: اعتبار بعض الهلوسات أو النتائج غير المتوقعة ذات معنى، لأنها تأتي عشوائية وغير مقصودة، مثل سحب بطاقة عشوائية.

لماذا يجد البعض في الذكاء الاصطناعي بديلا مريحا؟

أحد الأسباب التي برزت في الدراسة هو أن الذكاء الاصطناعي يمنح المستخدم شعورا بالدعم الفوري، من دون حاجة إلى شرح طويل أو تدخل اجتماعي مباشر، وهذا يشبه عند بعض القراء علاقة أحادية الجانب تبدو مساندة، وهو ما يسميه الباحثون التفاعل شبه الاجتماعي، حيث يشعر الشخص بقرب من الأداة رغم غياب العلاقة الإنسانية التقليدية.

لكن هذا القرب قد يحمل جانبا حساسا أيضا، فكلما ازداد اعتماد بعض المستخدمين على روبوتات الدردشة في النصيحة والرفقة، قلّ اعتمادهم على دوائرهم الاجتماعية المعتادة، وهو ما يجعل الاستخدام المفرط موضع انتباه، خاصة حين ينتقل الذكاء الاصطناعي من أداة مساعدة إلى مصدر شبه دائم للتوجيه.

ما الذي تكشفه هذه التجربة عن مستقبل الذكاء الاصطناعي؟

تشير المعطيات الأوسع إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد محصورا في المهام التقنية، فقد أظهر استطلاع حديث أن ما يصل إلى 87% من مستخدمي الذكاء الاصطناعي الإنتاجي يستشيرونه في التطبيقات الشخصية، بما في ذلك الدعم العاطفي والنصح في صراعات العلاقات والصحة العقلية، وهذا يوضح اتساع حضوره في المجال اليومي والإنساني.

وفي المقابل، تظهر تحذيرات مهمة حول هذا الاستخدام، إذ إن بعض روبوتات الدردشة قد تعزز معتقدات غير واقعية أو تدفع إلى مسارات ضارة، كما أن الاعتماد المفرط عليها قد يخلق تعلقا عاطفيا غير صحي، ولهذا يرى الباحثون أن القيمة الحقيقية للتقنية تكمن في مساعدتها على التفكير، لا في استبدال التفكير نفسه.

كيف يمكن فهم دور الذكاء الاصطناعي في التاروت اليوم؟

تدل تجربة قراء التاروت على أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة للفتح الفكري لا منصة للإجابات النهائية، فهو قادر على كشف احتمالات جديدة، ومساعدة القارئ على رؤية ما لم يلاحظه، لكنه لا يملك بالضرورة التاريخ الشخصي ولا العمق السياقي الذي يمنح القراءة معناها الكامل، ولذلك تبقى أفضل استخداماته مرتبطة بالتأمل الذاتي والمراجعة الواعية.

وفي النهاية، تكشف هذه العلاقة المتنامية أن التكنولوجيا والممارسات الرمزية لم تعودا منفصلتين كما كانتا من قبل، بل صارتا تتقاطعان في مساحة جديدة تجمع الفضول والبحث عن المعنى، وإذا كان التاروت قد تطور عبر قرون من التحول، فإن حضوره اليوم مع الذكاء الاصطناعي يفتح بابا مختلفا للفهم، وهو باب تتابعه بوابة مصر بوصفه واحدا من أكثر مظاهر التلاقي بين التقنية والثقافة إثارة في الوقت الراهن.

تاريخ آخر تحديث للخبر
تابع الآن أهم الأخبار عبر Google News
متابعة
سمر منصور

سمر منصور محرر الخبر

سمر منصور - كاتبة محتوى تقني، أعمل في كتابة المقالات عن قناعة وحب، كاتبة في موقع غاية السعودية في مجال التقنية مُتخصصة ومُتمرسة في الكتابة بقسم الاتصالات والشبكات، أحاول جاهدة وبشتى الطُرق تقديم كل ما هو مفيد من مقالات تخص شبكات الهاتف المحمول، واحرص دائما علي تقديم المعلومات الصحيحة حول تلك المقالات.