الدعم النقدي، تدرس الحكومة المصرية التحول إليه كبديل جزئي أو كامل لمنظومة السلع التموينية التقليدية، مع الاستفادة من تجارب دولية متنوعة أثبتت أن التحويلات المباشرة قد تعزز كفاءة الإنفاق وتقلل الهدر، لكنها تظل مرتبطة بقدرة الدولة على ضبط الأسعار وحماية الفئات الأكثر احتياجًا.
ماذا تدرس الحكومة المصرية الآن؟
تواصل الدولة بحث آليات تطبيق منظومة الدعم النقدي بداية من العام المالي المقبل، في إطار توجه رسمي لإعادة تنظيم الدعم الحكومي بصورة أكثر دقة، وقد أكد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، أن الحكومة تدرس حاليًا تفاصيل التنفيذ تمهيدًا للإعلان عنها خلال الفترة المقبلة، بما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة في إدارة الدعم.
ويعتمد هذا النظام على تحويل مبالغ مالية مباشرة إلى الأسر المستحقة بدلًا من توزيع السلع المدعمة، وهو ما يمنح المواطن حرية أكبر في ترتيب أولوياته الشرائية وفق احتياجاته الأساسية، كما يهدف إلى تقليل تسرب الدعم والتلاعب به، ورفع كفاءة الإنفاق العام، والوصول إلى الفئات الأكثر احتياجًا بصورة أدق.
كيف تعمل منظومة الدعم النقدي؟
الفكرة الأساسية في الدعم النقدي تقوم على إبدال الدعم العيني بمبالغ مالية تصل مباشرة إلى المستفيدين، بحيث تتحدد طريقة الإنفاق وفق ظروف الأسرة، وليس وفق قائمة سلع ثابتة، وقد ظهرت هذه الصيغة في عدد من الدول باعتبارها أداة لتقوية الحماية الاجتماعية مع تقليل الأعباء الإدارية على الحكومات.
أبرز ما يميز هذا التحول
- مرونة الإنفاق: تمنح الأسرة حرية أكبر في تحديد ما تحتاج إليه فعليًا، بدلًا من التقيد بالسلع المتاحة.
- تقليل الهدر: يحد من المشكلات المرتبطة بالنقل والتخزين والتوزيع، وما يصاحبها من تسرب أو فقد.
- استهداف أدق: يساعد الحكومات على توجيه الموارد إلى الفئات الأشد احتياجًا بصورة أكثر كفاءة.
- تخفيف الأعباء الإدارية: يقلل من كلفة إدارة المنظومة السلعية التقليدية وما تتطلبه من عمليات تشغيل معقدة.
من البرازيل إلى الفلبين.. تجارب دعمت الفكرة
أظهرت تجارب دولية عديدة أن نجاح الدعم النقدي لا يتوقف على تحويل الأموال فقط، بل على وجود منظومة واضحة تضمن وصول الدعم إلى مستحقيه، وتربطه في بعض الحالات بالتعليم والصحة، وهو ما ساعد بعض الدول على تحسين المؤشرات الاجتماعية وتقليل معدلات الفقر، وفق تقارير البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومؤسسات التنمية الدولية.
البرازيل.. نموذج بولسا فاميليا
تعد البرازيل من أبرز الدول التي اعتمدت التحويلات النقدية المشروطة عبر برنامج “بولسا فاميليا” الذي بدأ عام 2003، ويعده البنك الدولي واحدًا من أكبر برامج الحماية الاجتماعية في العالم، وقد ربطت الدولة الدعم بالتزام الأسر بإرسال الأطفال إلى المدارس والحصول على الرعاية الصحية الأساسية والتطعيمات.
وساهم هذا البرنامج في خفض معدلات الفقر وعدم المساواة، كما شجع الأسر محدودة الدخل على الاستثمار أكثر في التعليم والصحة، وهو ما جعله من التجارب التي تستند إليها الحكومات عند التفكير في إصلاح نظم الدعم.
الأرجنتين.. حماية الأطفال أولوية
في عام 2009، طبقت الأرجنتين برنامج “Universal Child Allowance” لدعم الأسر محدودة الدخل، مع تخصيص جزء من المبالغ المالية للأطفال، وربط الاستفادة الكاملة من الدعم بانتظام الدراسة والرعاية الصحية، وقد أسهم هذا النموذج في تحسين أوضاع الأطفال الاجتماعية وتقليل معدلات الفقر بينهم.
الفلبين.. دعم مشروط بالتعليم والصحة
اعتمدت الفلبين برنامج “Pantawid Pamilyang Pilipino Program” لتقديم تحويلات نقدية مشروطة إلى ملايين الأسر الفقيرة، وربطت الحكومة الدعم بانتظام الأطفال في التعليم وإجراء الفحوصات الطبية للأمهات والأطفال، الأمر الذي انعكس على معدلات الالتحاق بالمدارس وتحسين الرعاية الصحية، بحسب تقارير البنك الدولي.
إيران.. عندما يلتهم التضخم قيمة الدعم
في عام 2010، اتجهت إيران إلى تقليص دعم الطاقة والخبز واستبداله بتحويلات نقدية مباشرة للمواطنين، وقد نجحت الخطوة في بدايتها في تخفيف آثار رفع الدعم، لكن التضخم المرتفع أدى لاحقًا إلى تآكل القوة الشرائية للمبالغ النقدية، فتراجع أثرها الفعلي على معيشة الأسر.
وتكشف هذه التجربة أن الدعم النقدي يحتاج إلى بيئة سعرية مستقرة نسبيًا حتى لا تفقد التحويلات قيمتها سريعًا، وهو ما يجعل السيطرة على التضخم عنصرًا أساسيًا في نجاح أي انتقال من الدعم العيني إلى النقدي.
الأردن.. إصلاح تدريجي وتعويضات مباشرة
نفذ الأردن إصلاحات تدريجية في أسعار الطاقة، مع تقديم تعويضات نقدية للأسر الأكثر احتياجًا لتخفيف آثار رفع الدعم، وقد أشار البنك الدولي إلى أن هذا التوجه ساعد على توجيه الموارد إلى الفئات المستحقة بدلًا من استمرار الدعم السلعي واسع النطاق، بما خفف الضغط على الموازنة العامة.
الهند.. التكنولوجيا تقلل التسرب
اتجهت الهند إلى التحويلات النقدية المباشرة المرتبطة بالحسابات البنكية والهوية البيومترية، بهدف تقليص تسرب الدعم والقضاء على المستفيدين الوهميين، وقد ساعدت الرقمنة وقواعد البيانات الموحدة في تحسين كفاءة المنظومة، رغم استمرار تحديات الشمول المالي في بعض المناطق الريفية.
لماذا تفضل بعض الحكومات الدعم النقدي؟
تشير تقارير البنك الدولي الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى أن الدعم السلعي التقليدي غالبًا ما تستفيد منه فئات أعلى دخلًا إلى جانب محدودي الدخل، وهو ما يضعف كفاءته، كما أن هذا النوع من الدعم يفرض أعباء كبيرة على الحكومات في التخزين والنقل والتوزيع، فضلًا عن احتمالات الهدر والتسرب.
وفي المقابل، يمنح الدعم النقدي الأسرة حرية أكبر في اختيار احتياجاتها، ويتيح للدولة توجيه الأموال بشكل أدق، وهو ما يفسر اتجاه العديد من الحكومات إلى إعادة النظر في منظومات الدعم القديمة.
لماذا لا تستغني الدول بالكامل عن الدعم الغذائي؟
رغم المزايا التي يقدمها الدعم النقدي، تؤكد تقارير البنك الدولي أن برامج الدعم الغذائي لا تزال تؤدي أدوارًا استراتيجية مهمة، لأنها لا تقتصر على توفير الطعام فقط، بل تشمل أيضًا دعم المزارعين المحليين، وتكوين مخزون استراتيجي للسلع الأساسية، وحماية الأسواق من تقلبات الأسعار العالمية.
وتشير التحليلات الدولية إلى أن الاستغناء الكامل عن الدعم العيني قد يحمل مخاطر في الدول التي تعاني من اضطرابات سعرية أو تعتمد بشكل كبير على استيراد الغذاء، لذلك اتجهت دول كثيرة إلى الجمع بين الدعم النقدي والدعم العيني بدل الاعتماد على أحدهما فقط.
وتبدو المناقشات الجارية في مصر جزءًا من هذا المسار العالمي، إذ تحاول الدولة الموازنة بين الكفاءة الاقتصادية والحماية الاجتماعية، وفي هذا السياق تتابع بوابة مصر التطورات المرتبطة بمنظومة الدعم النقدي باعتبارها من الملفات الأكثر ارتباطًا بحياة المواطنين ومعيشتهم اليومية.
